المعيصرة بلدة كسروانيّة

25/3/2019
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

كما رأيتها

بقلم الأستاذ الدكتور حبيب غانم (1)

يشعر من يدخل قرية المعيصرة، أنَّه في بلدة نموذجيّة، في موقعها، وفي فرادتها. حيث تستجيب إرادة الإنسان لمحبة الله سبحانه الّذي أعطى كل هذا الجمال لجبلٍ هو بين الله والأرض كلام، على حد تعبير سعيد عقل، فتبدع في العمران، وتنّوع الزرع والشجر، وتواكب الحضارة تنظيماً، حتى ليحسب أنّ هذه القرية التي كانت ممر عبور إلى محطة قريبة نسبياً، هي غير المعيصرة التي تدهش الزائر بعد أكثر من عشرين عاماً.

ومع أنّ العدد (35 ـ 36) من مجلة «إطلالة جُبيليّة» قدّم شهادة صادقة ومُعبّرة عن هذه البلدة الجميلة والعامرة سكاناً ـ وإنتماءً وتاريخاً، وتطوراً تشكل مع أخواتها المجاورات لها مُجتمعاً وطنيّاً مُصَّغراً عن لبنان الحضارة والجغرافيا، على قاعدة المساواة والأخوة الحقيقيّة، فالجميع في الطموح واحد، وفي الواقع لبنانيون يحبون وطن الإنسان والأرز، والعيش المشترك في إنصهار وطني صنعه التاريخ.

على إمتداد الطريق، وبعد غياب مبرر، ظلّ السؤال المطروح إلى أين وصل تطور الجبل الكسروانيّ العتيق. والذي كان سباقاً في الماضي، لكن الجواب قدمته جبيل. وبعدها المعيصرة بعد دقائق من الوصول... لندرك رفاق الطريق وأنا بالعين المُجردّة وبالملموس والمحسوس، أننّا في منطقة كلُّ ما فيها جميل، جبلاً، وغابات، وأودية، وسهولاً... وقلَّ أن تجد لها مثيلاً، الساحل هنا غير الساحل صفاءً، وموجاً وزرقة، هكذا يخيّل للناظر، والأشجار العتيقة تبدو أكثر خُضرة بفضل نهر ابراهيم، والبيوت بمعظمها متوجة بالقرميد، والقرى المُحيطة ترنو مُجتمعة إلى جبيل مدينة التاريخ والمرفأ الجميل الّذي صدَّر حروف الأبجديّة إلى الكون كله.

المعيصرة لغة تصغير معصرة، وفي ذلك دلالة على أنّ زراعة شجر الزيتون التي ذكرها القرآن الكريم إلى جانب التين قديمة جداً، وقد قيل أنّ هُدهُد النبيّ نوح حمِلَ ورقه منها للدلالة على إنحسار الطوفان. وأنّ غصن االزيتون هو مؤشر يدلُّ على السلام ويرمز إليه، ويبدو أن أشجار الزيتون في المعيصرة ومن حولها في قرى الجوار ما زالت تحتلُّ الرقم القياسي عدداً، وتتفوق على ما عداها من الأشجار الأُخرى المتنوعة ولا ينافسها إلاّ الصنوبر الذي يتمتع بمهابة خاصة، وبمواصفات زادتها العناية الإلهيّة جمالاً على جمال.

البيوت والمنازل في المعيصرة كما في غيرها من قرى كسروان موزعة على التلال والسفوح في فوضى، أحلى من النظام، أمّا النّاس، فشأن أبناء الجبال أشداء على ما يبدو، صامدون كأشجار قراهم، باسمون أبداً وككل اللبنانيين طيبون كالملائكة، أقوياء كالنسور المقيمة في أحراشهم، بنية وعيوناً، وزنوداً سمراء تبدو البراءة على وجوههم الرضيّة، رجالاً، ونساءً وأطفالاً تعضدهم ثقافة وطموح وكرم، كل ذلك يذّكر بفرسان بني حمدان.

وإلى ذلك فالمعيصرة ـ وربما غيرها ـ قرية مؤسسات ذكرها سماحة القاضي الدكتور الشيخ يوسف محمد عَمرو أطال الله عمره ولم يترك واحدة منها إلاّ وأحصاها في مجلته الغراء، فلم يترك زيادة لمستزيد وشهادته كأحكامه لا تحتمل زيادة ولا استئنافاً.

لقد إجتمعت بشيخنا الجليل مميزات الرجل ـ المؤسسة الذي ينوب في إنجازاته عن جماعة... ودائماً يكون النجاح بعون الله حليفه... ولا يجرؤ أي عمل أن يتأخر أمام عينيه لحظة، لأنّه دائماً على حق، ولا يعمل إلاّ للتي هي أقوم وكأنّه خلق للعلى وقهر الصعاب. فالمعيصرة كَبُرت بهِ وَكَبُر بها. لأنّها تصنع مستقبلاً مكتوباً بالعرق وبالصمود وبالشعر الوائليّ، والحمدانيّ الذي يذّْكر بأبي الطيب المتنبيّ، وأبي فراس، وسيف الدولة الحمدانيّ...

والختام البهي الشيخ القاضي وعلى طول قامته يمكن قياسها... وإلى جانبه الرجال الرجال من أبنائها. فالرجل مؤسسة كبرى للإيمان كان ولا يزال وسيبقى يمتلك مؤهلات قياديّة، وريادية. وظفّها في خدمة الدين الحنيف وأهله. وفي الحوار بين المذاهب والأديان السماويّة.

ومع أنّ في الحقيقة لا يحتاج لشهادة من أحد، ولا يستسيغ المديح، فإنّ مؤلفاته وإنجازاته تشهد له ولسبقه العلميّ والعملي، والدعوي كما المؤسسات التي كان له فضل إنشائها ورعايتها، مع تلك التي يستعدُّ لإفتتاحها. بعد أن تابع خطوة خطوة قيامها أعمدة وقباباً... وكلّها تعلن أنّ هذا العالم المؤمن قد وقف نفسه لله تطوعاً واختياراً... ولا هدف له إلاّ وجه الله... وقرارها دائماً أنّ كل ما ينتمي إلى الدين ينبغي أن يكون في أحسن تقويم. وأن تتوافر له كل معطيات الإبداع والجمال.

إلى هنا يبقى الأمر عادياً في رأيه، وفي إعتقاده حتى إذا تحدّث عن المنجزات التي تعجز عن مثلها دول وجمعيات وأحزاب. يؤكد أنّه يطمح إلى المزيد منها. وأنّه يخطط لإقامة المعاصر والمؤهل بالتكنولوجيا استجابة لطموحات أجيال.

ولكن الأهم من كل ذلك أنّ فضيلة الشيخ يؤكد بكل ثقة واطمئنان وإيمان روحي أنّ هذه المؤسسات هي ملكيّة جماعيّة لكل المسلمين، وأنّها بحكم الوقف الشرعيّ لأبناء قريته ولسائر القرى الإسلاميّة ولكل المؤمنين... وللطائفة من بعده أطال الله عمره. وعلى قاعدة الفقه الجعفريّ، وقد تمّ توثيق كل ذلك لدى الجهات المختصة وبقراره، وبمتابعته.

لقد سجلّ سماحة القاضي الشيخ عَمرو، سابقة تاريخيّة لم يسبقه إليها أحد في تنازله عن ملكيتها الشخصيّة... مُقدّماً القدوة الحسنة والأسوة الطيبة، عُذراً يتذرع به، أمّا من سبقوه، فالله وليُّ أمرهم، والطائفة أدرى بهم، وبالحكم عليهم بعد الله... والتاريخ. والله من وراء القصد (2).

 

 

الهوامش:

1.    (1) رئيس تحرير مجلة الجامعة الإسلاميّة ـ لندن.

2.    (2) يتكلّم الأستاذ حبيب غانم عن قيام القاضي الدكتور عَمرو بوقفيته لجميع أملاكه التي ورثها عن والديه كصدقة جارية لهما وله في سبيل المصلحة العامّة تقرّباً إلى الله تعالى، حيث قام بالبداية بالتعاون مع المرحوم والده الحاج محمد جعفر عَمرو بوقفيّة العقار رقم 33 في محكمة بيروت الشرعيّة الجعفريّة في 28/6/1983م. كمستوصف خيريّ ومدرسة فنيّة للبنات. وإفتتاحه له بالتعاون مع الجمعية الخيريّة الإسلاميّة والحاج علي محمود عوّاد كمستوصف خيريّ. وكذلك تقديمه للعقار الذي ورثه عن المرحوم والده في المعيصرة رقم 35 لجمعية الإمداد الخيريّة الإسلاميّة كمركز بإسم « مركز الإمام عليّ بن ابي طالب t للرعاية الإجتماعيّة» . كما جاء في كتابه التّذكرة أو مذكرّات قاضٍ مجلد 2، ص 539 و 540 و 612 و 613 و 614 و 615 و 616. وكذلك تقديمه للعقار 523 في منطقة المعيصرة العقاريّة الذي ورثه عن المرحومة والدته كوقفٍ شرعيّ، في المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى رقم 53/2018 في 6 آذار 2018م. وفي محكمة الشياح الشرعيّة الجعفريّة في 6/9/2018م. تحت إسم وقف «الشيخ الدكتور يوسف محمد عمرو» للطائفة الإسلاميّة الشيعيّة في المعيصرة. كما أنّ الدكتور عبد الحافظ شمص تكلّم عن هذه الوقفيّة بهذا العدد من المجلة تحت عنوان «وقفيّة المعيصرة».