زراعة التبغ في جبل لبنان

08/01/2011
العدد الواحد والاربعون نيسان -2020

عرفت الأستاذ الباحث سهيل مُحمّد الحيدريّ من خلال إدارته الحكيمة لثانويّة المعيصرة النموذجيّة الحديثة سابقاً في تسعينات القرن الماضي. وعرفت فيه الأخلاق النبيلة، والأدب والتواضع مع النّاس، وحبِّه للبحث التأريخيّ. وبعد تركه للثانويّة الآنفة الذكر توجه لتدريس مادة الدراما والفنون التشكيليّة في مدارس جمعيّة الإمداد الخيريّة الإسلاميّة، ولمتابعة دراسته في كلية الآداب بالجامعة اللبنانيّة، وللاعداد لأطروحة الماجستير حول وسط بلاد جبيل الإجتماعيّ والسياسيّ والإقتصاديّ، من عام 1920م، ولغاية عام 1934م.

وقد توجه إليه رئيس تحرير هذه المجلة بالسؤال حول تأريخ زراعة التبغ في جبل لبنان بشكل عام وبلاد جبيل بشكل خاص فكان جوابه التالي:

أ ـ تمهيد

دخل التبغ إلى لبنان في أواخر القرن السادس عشر ميلادي ، ومنذ القدم كانت تتنافس هذه الزراعة مع زراعة التوت لتربية دودة الحرير وخصوصا في جبل لبنان ثم إنتقلت إلى مناطق صور، جبيل، جبل الريحان، الكورة والهرمل .

والتبغ هو من الفصيلة الباذنجانية وحيدة الساق حيث يبلغ طول النبتة ما بين 50 ـ 250 سم. أوراقها مختلفة الأشكال والأحجام، أزهارها خماسية البتلات والأسدية ، بذورها دقيقة كستنائية. تنمو بصعوبة إذا إنخفضت حرارة الطقس عن 15 درجة مئوية، وتتلف إذا تعدت 38 درجة مئوية. وهي تفضل التربة الفقيرة الخفيفة والكلسية التي تعطي تبغا ذا أوراق رقيقة ونحيفة العروق وقليلة النيكوتين.

ب ـ أنواع التبغ والأوراق :

هناك عدة أنواع من التبغ الذي زرع في جبل لبنان بنسب متفاوته نذكر منها ما يلي:

* البلغاري: وقد أُدخل إلى لبنان عام 1920م، وهو يزرع في جبيل والبترون والكورة.

* البافرا: من أصل تركي، زرع في جبيل والبترون والكورة.

* السعدي: صنف محلي زرع في جرود بلاد جبيل.

* الازمرلي: من أصل تركي، زرع في بلاد جبيل والبترون وجزين.

* التنباك: من أصل إيراني، زرع في أراضي جبل لبنان المروية.

أما نوع الورق فهي( من الأسفل إلى الأعلى): التكعيبة ـ التنوية ـ الفحلية(1 و2 و3 ) ـ الرقبية ـ الطربونة ـ والترويسة.

والتبغ هو أحد أبرز المحاصيل الزراعية في لبنان حاليا ويحلّ في المرتبة الرابعة بعد إنتاج الحمضيّات والموز والزيتون من حيث المساحات المزروعة. ويُعتقد أنّ مزارع التبغ ظهرت لأول مرة في لبنان في القرن السادس عشر.

ج ـ مع التأريخ:

 كانت زراعة التبغ  كثيرة الإنتشار في جبل لبنان حتى أن غلته كانت تعد أوفر غلة بعد غلة الحرير، وشهرة التبغ الريحاني والجبلي والكوراني خاصة كانت عمومية والمصّدر منه للخارج ولا سيما الى بلاد مصر كان يبلغ كمية وافرة.

ونظراً لأهمية التبغ وإنتاجه والضريبة المفروضة عليه وإحتكاره من قبل السلطنة العثمانية قررت الصدارة العظمى إرسال أخصائيين الى كل أنحاء السلطنة ومنها جبل لبنان لإهمية أرضه في زراعة التبغ الذي يعطي إنتاجا وفيراً، ولكن المتصرف داوود باشا عارض ذلك...(2) فرفضت عندها منحت الدولة العثمانية إحدى الشركات الفرنسية حق إحتكار التبغ في مختلف الولايات بإستثناء جبل لبنان الذي فرضت عليه ضرائب باهظة على إنتاج وتصدير التبغ.

منذ أن تشكلت شركة حصر التبغ والتنباك العثمانية 1883م، تضررت زراعة التبغ في جبل لبنان بسبب الضرائب الباهظة والإحتكار.

إضافة الى دخول التبغ التركي(الإسلامبولي أو الإسطنبولي) المعروف بالبافرا ـ مما ـ أدى الى  مزاحمة التبغ المحلي الذي أثر سلباً على بيعه وتصريف إنتاجه.

وفي العام 1885م، توصل المتصرف واصا باشا الى إتفاق مع شركة الريجي في بيروت على تنظيم التبغ وتصديره في الجبل، وتجدد الإتفاق في عهد نعوم باشا. ومنذ إدخال التبغ الإسلامبولي الى جانب التبغ الوطني الذي بقيت زراعته منتشرة شمالي متصرفية جبل لبنان ويعرف بالكوراني ويصدر الى مصر ويمتاز التبغ التركي الإسلامبولي برائحته الذكية وكان المدخنون يفضلونه على التبغ المحلي ويمتاز بقلة النيكوتين فيه فأقبل الفلاحون على إستقدام البذر التركي وأخذوا بزراعته فأعطى إنتاجا جيدا. وأوّل من أدخل التبغ التركي الى جبل لبنان وبدأ بزراعته في قرية جوار الحور المتنية كان الامير يوسف أبي اللمع الذي أنشأ لدخانه الممتاز بجودته معملا عرف بمعمل أبي اللمع اخوان.وكانت الدولة العثمانية قد صنفت الدخان ( التوتون ) بستة أنواع هي: باب أوّل، وباب ثاني، وباب ثالث، وباب رابع، وباب خامس، وباب سادس. ولكن التبغ الجبلي صنفه تبعاً لموقع ورقه في الشتلة: دخان تكعيبة، وترويسة ووسطي وغيرها وأفضل الدخان المقطوف هو من وسط النبتة وكان الدخان يقطع باليد ويبقي الفلاح مؤونته قبل أن يبيعه الى التاجر الذي يصدره الى مصر أو جزيرة مالطة.

ثم كانت مرحلة فك الإحتكار بدءا من العام 1930 وإستبدال نظام البندرول به فأبيح زرع  التبغ وصناعته وتجارته بناء على علم وخبر يقدم الى وزارة المال. تلاها مرحلة النظام الإحتكاري الحديث بدءاً من العام 1935 أيام الإنتداب الفرنسي وَطُبِقَ على جميع الأراضي اللبنانية.

مع نشوب الحرب العالمية الثانية تقلصت الأراضي المزروعة تبغاً بسبب الحرب لتعود وتتوسع بعد إنتهاء الحرب بسبب تراجع مردود المحاصيل الزراعية الأخرى وإرتفاع أسعار التبغ.

وقد بلغ إنتاج زراعة التبغ في جبل لبنان، في أواسط القرن التاسع عشر، حوالى 300 ألف أقة(358 طنا). ولكن زراعة التبغ إنحسرت في الجبل لحدودها الدنيا لكن في الوقت نفسه إنتشرت في جنوب لبنان لتصبح من الزراعات الأولى ذات المورد لكثير من العائلات. وللبحث تكملة في العدد القادم إن شاء الله تعالى.

رأس اسطا ـ جبيل:

سهيل مُحمّد الحيدري