اللبناني بين الإنتصار والإحباط

15/11/2018
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

منذ فجر إستقلال لبنان عن الإنتداب الفرنسي في 22 تشرين الثاني 1943 ولغاية أيامنا هذه توالت على الشعب اللبنانيّ حكومات عديدة ومجالس نيابيّة كثيرة كان لها الأثر الحميد في بقاء الكيان اللبنانيّ والمحافظة عليه وعلى مؤسسات الدولة التي ورثناها من الإنتداب الفرنسي وإيجاد مؤسسات جديدة بدأت في الستينيات أيام الرئيس فؤاد شهاب (1958 ـ 1964) وبالتالي تمثيل لبنان في المحافل الدوليّة والعربيّة. على الرغم من غيوم كثيرة وأمواج عاتية ومن الحرب الأهليّة والأحداث الأليمة التي رافقتها والاجتياح الصهيوني لقسم من جنوب لبنان عام 1978م. والإجتياح الصهيوني الآخر للبنان عام 1982م. واحتلال العاصمة بيروت وهي أوّل عاصمة دولة عربيّة تسقط أمام الجيش الصهيوني في القرن العشرين.

الإنتصار اللبنانيّ

وقد إستطاع اللبنانيون خلال خمسة وسبعين عاماً تسجيل انتصارات كبيرة على شتى الأصعدة السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة والعلميّة والثقافيّة وفي شتى حقول الفنون والمعرفة أهمها كان التالي:

أولاً: المحافظة على المستوى العلمي والأكاديمي للجامعات والمدارس اللبنانيّة القديمة كالجامعة الأمريكيّة في بيروت، وجامعة القديس يوسف، والجامعة الأنطونيّة، وجامعة الحكمة. ومدارس جمعية المقاصد الخيريّة الإسلاميّة في بيروت، ومدارس الجمعية الخيريّة الإسلاميّة العاملية في بيروت، ومدارس الجمعية الخيريّة الجعفريّة في صور وغيرها من مؤسسات تربويّة. وما يقال عن الجامعات والمؤسسات العلميّة والأكاديميّة القديمة المتوارثة من أواخر العصر العثمانيّ والانتداب الفرنسيّ يقال أيضاً عن المستشفيات والمؤسسات الطبيّة والأجيال المتفوقة والمُبدعة من هؤلاء الأطباء الكرام في مستشفيات الجامعة الأمريكيّة وجامعة القديس يوسف وجمعية المقاصد الخيريّة الإسلاميّة في بيروت وغيرها.

ثانياً: إستحداث مؤسسات تربويّة وأكاديميّة جديدة حازت الإحترام والثقة في لبنان والعالم العربيّ أهمها كان الجامعة اللبنانيّة وفروعها في المحافظات اللبنانيّة والجامعة الإسلاميّة وفروعها، وجامعة بيروت العربيّة، وجامعة البلمند ومعهد المقاصد للدراسات الإسلاميّة العاليّة، وجامعة بيروت الإسلاميّة، وجمعية المبرّات الخيريّة بجامعتها الحديثة وثانوياتها ومدارسها الأكاديميّة والمهنيّة ومبرّاتها الموجودة في معظم المحافظات. وجامعة سيّدة اللويزة، وجامعة الإمام الأوزاعيّ، وجامعة المعارف الإسلاميّة وغيرها من مؤسسات تربويّة. وما يقال عن الجامعات والمؤسسات التربويّة والأكاديميّة الحديثة يقال أيضاً عن المستشفيات والمؤسسات الطبيّة الحديثة والمتفوقة في لبنان مع أطبائها الجهابذة الّذين أصبحوا منارة للبنان. والتي يُشار إليها بالبنان وهي مهوى قلوب المرضى وأصحاب الأمراض الصعبة في العالم العربيّ، وغيرها من مؤسسات ومعاهد وجامعات.

ثالثاً: لقد كانت الصحافة في لبنان الرائدة في نهضة العالم العربيّ وفي حركات التحرر العالميّة. وكان لها الشرف الكبير أنّها حازت وسام الشهادة على يدي جمال باشا السفاح في 6 ايار 1916م. حيث أنّ مُعظم الّذين نالوا الشهادة كانوا من أهل الصحافة من جميع المذاهب والأحزاب اللبنانيّة آنذاك. وتوالى سقوط الشهداء من أهل الصحافة في أيام الإنتداب الإفرنسيّ وفي أيام الحرب الأهليّة اللبنانيّة، وفي مواجهة العدو الصهيونيّ والعدو التكفيري.

والمطلوب من الاعلاميين بعد هذا وذاك ووسائل الإعلام في لبنان المحافظة على تاريخها المجيد وريادتها للعالم العربيّ. وأن يكون هناك مراقبة ذاتيّة للصحف ووسائل الإعلام من القيمين عليها ومن رؤساء التحرير، ومن المسؤولين عن نقابات الصحف والمحررين وجميع المسؤولين في وسائل الإعلام حتى تبقى الريادة والزعامة في العالم العربي لصحافتنا اللبنانيّة في القرن الواحد والعشرين.

رابعاً: الجيش اللبنانيّ الباسل وجميع المؤسسات الأمنيّة اللبنانيّة ومحافظتهم على الوحدة الوطنيّة بين أبناء الوطن. ووقوفهم في وجه الفتنة الطائفيّة والمذهبيّة في الحرب اللبنانيّة الأهليّة في وجه المخططات الإسرائيليّة. ومخططات التكفيريين وطردهم من لبنان بعد مخاض عسير في معركة فجر الجرود في شهر تموز 2017م. ومحافظتهم على السلم الأهلي والأمن في جميع ربوع الوطن.

خامساً: المقاومة الإسلاميّة وتعاونها مع حركة \\\"أمل\\\" والجيش اللبنانيّ والأحزاب اللبنانيّة والشعب لإفشال مُخطط توطين الفلسطينيين في لبنان وتقسيمه. وطرد الجيش الصهيوني من بيروت وصيدا ومن ثُمَّ طرده من كامل الأراضي اللبنانيّة عدا بعض الجيوب الصغيرة وتحقيق أول انتصار عربي عليه واندحاره من لبنان دون قيد أو شرط في 25 أيار عام 2000 وتركه لعملائه يواجهون مصيرهم أمام القضاء اللبنانيّ... وبالتالي صدَّ الإجتياح والعدوان الصهيونيّ الثالث في تموز عام 2006م. وبالتالي فشل هذا الإجتياح واندحار الصهاينة في 14 آب 2006م. في أعظم ملحمة شهدها الصراع العربي ـ الإسرائيلي لغاية تاريخه وكذلك تصدّيه لمؤامرات التكفيريين ومخططاتهم وطردهم من لبنان ومن جميع القرى والمدن السوريّة القريبة من لبنان في شهري تموز وآب 2017م.

سادساً: نجاح وتفوق المؤسسات الإقتصاديّة والتجاريّة في لبنان ورجال الأعمال اللبنانيين وعلى رأس هذه المؤسسات كان مصرف لبنان المركزي والمؤسسات التابعة له وشركة طيران الشرق الأوسط M.E.A وغيرها من مؤسسات عريقة واقتصاديّة مُحترمة.

سابعاً: تجمع العلماء المسلمين في لبنان وتصدّيه للفتنة ما بين السُنّة والشيعة في لبنان وحقنه لدماء المسلمين منذ تأسيسه عام 1982م. على يدي الإمام السيّد روح الله الموسويّ الخمينيّ (قده)، ولغاية تاريخه. ومحافظته على الوحدة الوطنيّة ما بين اللبنانيين، ودعوته الدائمة للسلام والوحدة بينهم. وتوجيه النّاس والناشئة للجهاد ضدَّ العدو الصهيونيّ بالكلمة وبالإعلام ومساعدة المقاومة في فلسطين. واعتبار قضيّة القدس هي القضيّة الأولى لكلّ مُسلم ومسيحيّ في العالم. وبالتالي محاربته لجميع اتفاقيات الصلح ما بين الدول العربيّة والكيان الصهيونيّ الغاصب لفلسطين وتحريم ذلك شرعاً وقانوناً. وبالتالي إسقاطه لاتفاقيّة 17 أيار 1983م. ما بين العدو الصهيونيّ والحكومة اللبنانيّة لأوّل مرَّة بتاريخ الصراع العربيّ ـ الإسرائيليّ.

ثامناً: المرجعيات الدينيّة عند اللبنانيين ووقوف معظمها بحزم ضدّ الفتن الطائفيّة والمذهبيّة وضدِّ انتشار الفساد الأخلاقي عند الشباب والشابات في لبنان. واليد البيضاء الأولى كانت للإمام السيّد موسى الصدر لعقد قمم روحيّة ما بين المذاهب الإسلاميّة والمذاهب المسيحيّة وآخرها كانت للعلاّمة الكبير الشيخ عبد الأمير قبلان في مؤتمر القمّة الروحي الذي عُقِدَ في بكركي ممثلاً لجميع الطوائف اللبنانيّة صباح يوم الخميس الواقع فيه 14/12/2017 حيث اعتبر هذا المؤتمر أنّ قرار الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب حول القدس بجعلها عاصمة لإسرائيل يشكل تحدّياً واستفزازاً لأكثر من ثلاثة مليارات مسلم ومسيحي في العالم ومخالفاً للقوانين والمواثيق الدوليّة ويسيء للمؤمنين ويشكل تحدّياً لمشاعرهم...

تاسعاً: نجاح المواطن اللبنانيّ خلال العقود الثانية وانتصاره على الجهل والفقر والمرض وظروف الحياة القاسيّة مع افتقاد معظم قرانا وبعض المدن للبنى التحتيّة. وخير دليل على ذلك ما نلمسه ونراه في بعض قرانا الواقعة على الحدود الفلسطينيّة والتي كانت ترزح تحت الإحتلال الإسرائيليّ منذ عام 1978م. ولغاية 25 أيار 2000م. حيث تعاون معظم أبناء القرى مع اخوانهم في بيروت وضواحيها وفي بلاد الاغتراب مع مجلس الجنوب والوزارات المختصة والأحزاب القائمة على الأرض بالقيام بذلك، ونجحوا نجاحاً كبيراً. وأمّا الحديث عن حكاية نضال وجهاد المغترب اللبنانيّ وتفوقه على سائر مُغتربي العالم العربي في أكثر من خمسين دولة في العالم فحديث طويل وبحاجة إلى تصنيف كتاب خاص بذلك.

كيف نعالج الإحباط

وأمّا بالنسبة لإحباط المواطن اللبنانيّ بعد هذه الإنتصارات المباركة فقد أتى نتيجة للمخططات الصهيونيّة في الشرق الأوسط والتي ترى أنَّ لبنان واللبنانيين هم أعداء التاريخ والمستقبل للصهيونيّة العالميّة. ونتيجة العقليّة الإنتهازيّة والاستثماريّة الجشعة عند غالبية اللبنانيين والتي جاءت نتيجة للحرب الأهليّة ولإبتعادهم عن الأخلاق الإسلاميّة والمسيحيّة التي تأمر بالصدق والأمانة والوفاء والرحمة والتسامح والمحبّة. ونتيجة لسيطرة مذهب ميكافيلي على عقليّة كثير من سياسيي لبنان. وغيرها من أسباب داخليّة وخارجيّة يطول الحديث عنها.

وأمّا كيف نعالج هذا الإحباط فالجواب عنه يحتاج إلى دراسات كثيرة من خلال مؤتمرات يُدعى لها أهل الإختصاص والخبرة من ذوي النزاهة والعدالة. وإلى تبنّي الحكومة اللبنانيّة العتيدة لخلاصة هذه التوصيات التي نتمنى أن تكون مصداقاً لقوله تعالى في القرآن الكريم: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ) سورة ابراهيم، آية 24 -25 ـ 26.