موضوع الغلاف: المهديِّ المُنتظر والمستشرق الفرنسي هنري كوربان

15/11/2018
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

إعداد هيئة التحرير

وُلِدَ المستشرق الفرنسي هنري كوربان في سنة 1902 في باريس عاصمة فرنسا.

حصل من جامعة السوربون على الليسانس في الفلسفة عام 1925 والدبلوم العالي عام 1926 م. ثُمّ على دبلوم معهد الدراسات العليا من جامعة باريس عام 1928 ودبلوم مدرسة اللغات الشرقيّة في باريس عام 1929 في الإسلاميات، كان تلميذاً للويس ماسينيون، وقد اختير أستاذاً لكرسي الإسلاميات في مدرسة الدراسات العليا بجامعة السوربون خلفاً لماسينيون وبإصرار منه، وظلّ يشغله حتى أحيل إلى التقاعد.

وفي عام 1946 اختارته وزارة الخارجيّة الفرنسيّة رئيساً لقسم الإيرانيات في معهدها بطهران، وهو من المؤسسين الأصليين لمؤسسة الإيرانيات التي نشر فيها الوافر من دراساته، وقد كافأته إيران بالأوسمة والألقاب.

آثاره ومؤلفاته

بلغت مؤلفاته 197 عنواناً طُبعت في طهران وباريس، منها: كشف المحجوب ـ رسالة في المذهب الإسماعيليّ، وللسهروردي: حكمة الإشراق النّص العربي، ورسالة في اعتماد الحكماء، وكتاب جامع الحكمتين.

تأثير العلاّمة الطباطبائيّ عليه

كان لاتصال هنري كوربان بالفيلسوف العلاّمة السيّد محمد حسين الطباطبائيّ ومساعيه في ترجمة تراث العِرفان لدى الشيعة للغربيين أثر كبير عليه.

فعندما أحسّ بالفراغ المعنوي لدى الغرب رأى في العرفان الشيعيّ خصوصيات ملء ذلك الفراغ فاقترحه، ثُمّ جاء إلى ايران وبذلَ جُهداً كبيراً للتعرّف إلى العرفاء والفلاسفة في المجتمع الإيرانيّ.

ثُمّ أقام علاقة وثيقة مع المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ وتتلمذ على يديه ثُمّ نقل محاضراته للفرنسيّة كما قام تلامذته ومساعدوه بنقلها للإنجليزيّة أيضاً ونشروها عالمياً.

الإستشراق والإسلام

أصبح لـ كوربان بعد سنوات من البحث والدراسة في الدين الإسلاميّ ميل للإسلام، وبالخصوص للأئمة الأطهار i، وشيئاً فشيئاً أصبح بعيداً عن الأفكار الغربيّة، وعن أستاذه في أوروبا لويس ماسينيون. فاعتنق الدين الإسلاميّ عام 1945، ثُمّ سافر إلى ايران وكان يقضي معظم أوقاته خلال السنوات التي قضاها في إيران بمناظرة علماء الشيعة، ومباحثتهم، وتبادل وجهات النظر معهم.

وأمثال كوربان موجودون في الغرب، كالسيّد مادلون مؤلف كتاب «خلافة مُحمّد»، وقد تُرجم الكتاب من قبل الروضة الرضويّة واختير كتاب العام أيضاً. إلاّ أنَّ الكاتب تعرّض لانتقادات حادة من قبل الوسط الوهابيّ وغيره، وحتى من قبل الغربيين أنفسهم.

ولكن المستشرق الدكتور هنري كوربان من القلائل الّذين فهموا حقيقة التاريخ الإسلاميّ وكتبوا بنزاهة وإنصاف، واكتشفوا حقائق كبيرة في الدين الإسلاميّ الحنيف. وقد استغلَّ كوربان فترة وجوده الطويلة في إيران فاطّلع على المخطوطات والوثائق الإسلاميّة، واتَّصل بكبار رجال الفكر والدين هناك.

أهم أسباب تَشيَّعه

بعد أن اعتنق الدين الإسلاميّ اختار المذهب الشيعيّ الإثني عشري، مذهب أهل البيتi، وذلك لأنَّ مذهب التشيّع هو وحده الذي يعتقد ـ بعد ختم النبوة بالرسول مُحمّد w، باستمرار رابطة الهداية والتكميل عبر ولاية الأئمة الباقين والذي لا بُدَّ من وجود أحدهم حيّاً إلى يوم القيامة.

أي إنّ الإعتقاد بالإمام المهديّ t، في هذا الزمان كان من أهم الأسباب لاختيار الدكتور كوربان للتشيع من بين المذاهب الإسلاميّة الأخرى. وقد ذكر الأستاذ جلال الدين آشتياني في مقال له أن كوربان عندما حضرته الوفاة كان يترنم بعبارات من الزيارة المعروفة لصاحب الزمان t، السلام على صاحب الدعوة النبويّة... وهذا يدلُّ على أن المسألة عند كوربان أسمى من مجرد ترجمة تراث ثقافيّ، بل كانت لديه رغبة جامحة وذاتيّة لموضوع الإمام المهديّt.

بداية قصة الدكتور كوربان مع التشيّع

بدأت قصة كوربان مع فكر أهل البيت i، عندما طلب لقاء مع الفيلسوف السيّد الطباطبائيّ صاحب «تفسير الميزان» لأجل المناقشة القائمة على اساس تقبُّل وجهات النظر المنطقيّة، وكانت النتيجة مثمرة ومفيدة في ما أراد كوربان من نقاط طرحها وناقشها مع السيّد الطباطبائيّ.

والحقيقة أنّ الطباطبائيّ انطلق في حواره مع كوربان من نقطة أنَّ الإسلام الأصيل وعلوم أهل البيت i، لم تعرف طريقها إلى العالم الغربيّ، وذلك لأنّ المستشرقين الّذين درسوا الإسلام عكسوا بُعداً واحداً عن الإسلام، من خلال اعتمادهم على مصادر فريق واحد وإهمالهم للفريق الآخر. فكانت نتيجة ذلك أنّ الصورة التي تشكلّت لدى الغرب عن التشيّع لم تزد عن أنَّه فرقة منشقَّة عن الإسلام، واختلفت مع الأكثريّة على قضايا منها الخلافة والحكم.

وصف العلاّمة الطباطبائيّ لكوربان

لقد وصف العلاّمة الطباطبائيّ عقلانيّة وصفاء سريرة هنري كوربان بقوله: «كان كوربان رجلاً سليم النفس يتّسم بالموضوعيّة والإنصاف، وغالباً ما كان يقرأ أدعيّة الصحيفة المهدويّة وهو يبكيّ، إنّ كوربان الذي درس القرآن الكريم بعمق وجاهد نفسه للوصول إلى الحقائق الإسلاميّة من خلال مدرسة أهل البيت i، جعلت منه إنساناً لا يخشى في الحقِّ لومة لائم، وليس هذا بالشيء الغريب، لأن الله سبحانه وتعالى أخبرنا في محكم تنزيله أنّ الذي يأتّم بالذكر الحكيم الذي لا يعلم حق تأويله إلاّ هو سبحانه والراسخون في العلم أئمة الهدى i، فإنّ الله سيقوده إلى شاطئ الأمان (يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، سورة المائدة، الآية 16».

ماذا يقول كوربان

لقد أسفر اطلاع كوربان على مذهب أهل البيت i، من خلال ما قرأ لكبار رجال هذا المذهب من السابقين ومن اللاحقين، بالإضافة إلى حواراته مع العلاّمة الفيلسوف السيّد الطباطبائيّ، كلّ هذا أسفر عن نتيجة حاسمة ونهائيّة توّجت أبحاثه عن هذا المذهب النقيّ، ويمكن لنا أن نورد شيئاً من هذه النتيجة معتمدين في هذا على ما قاله كوربان نفسه عن هذا المذهب:

«في عقيدتي أن التشيّع هو المذهب الوحيد الذي حفظ بشكل مستمر رابطة الهداية بين الله والخلق، وعلاقة الولاية حيّة إلى الأبد، فاليهوديّة أنهتْ العلاقة الواقعيّة بين الله والعالم الإنسانيّ في شخص النبيّ موسى t. ثُمّ لم تذعن بعدئذ بنبّوة السيّد المسيح والنبيِّ مُحمّد w، فقطعت الرابطة المذكورة، والمسيحيّة توقفتْ بالعلاقة عند السيّد المسيح t، أمّا أهل السُنّة من المسلمين فقد توقفوا بالعلاقة المذكورة عند النبيِّ مُحمّدw، وبإختتام النبّوة به لم يعد ثمة استمرار في رابطة العلاقة (في مستوى الولاية) بين الخالق والخلق، التشيّع يبقى هو المذهب الوحيد الذي آمن بنبوّة مُحمّد w، وآمن في الوقت نفسه بالولاية، وهي العلاقة التي تستكمل خط الهداية وتسير به بعد النبيّ وأبقى عليها حية إلى الأبد».

إنّ معارضة كوربان للفكرة التي نقلها المستشرقون عن الإسلام والتشيّع إلى أبناء الغرب جعلت منه باحثاً مُتفرّداً وعالماً مُتميّزاً في طريقة البحث والدراسة وفي طريقة إيصال نتائج هذه الدراسات والبحوث إلى عالم الغرب المادي الذي تَشربَّ بالأفكار الخاطئة عن دينٍ لا يعلم عن حقيقته إلاّ ما نُقل إليه من صور مُشوَّهة عنه.

ويقول كوربان في ذلك: «من هذه الجهة بذلت جهودي على قدر ما استطيع لتعريف العالم الغربيّ بمذهب التشيّع على النحو الذي يليق به ويتّسق مع واقعيّة هذا المذهب، وسأبقى أبذل الجهود في هذا الطريق».

وكان من حصيلة الدراسات التي قام بها كوربان أن خرج بالعديد من الكتب عن المذهب الشيعيّ ولعلّ من أبرز هذه الكتابات الكتاب الذي يحمل عنوان «عن الإسلام في إيران ـ مشاهد روحيّة وفلسفيّة». وقد قام الأستاذ نواف الموسوي بترجمته إلى اللغة العربيّة ويتوّزع الكتاب المذكور على سبعة فصول وهي:

ـ التشيّع وإيران.

ـ مفهوم التشيّع الأثني عشري.

ـ معركة التشيّع الروحيّة.

ـ ظاهرة الكتاب المُقدّس.

ـ في الباطل والتأويل.

ـ مبحث النّبوة ومبحث الإمامة.

ـ معنى الإمام للروحانيّة الشيعيّة.

أثر كوربان على تغيير نظرة الغرب عن التشيّع

والأثر الذي تركه الإسلام عموماً والمذهب الشيعيّ خصوصاً على هنري كوربان بعد أن أمضى ما يقارب ثلاثة عقود من الزمن في دراسة هذا الفكر العميق، يتجلى في تغيّر النظرة المشؤومة في العالم الغربي عن الإسلام كدين سماوي وعن المذهب الشيعيّ كفكر إسلاميّ أصيل.

ومن اشهر من تأثر بكوربان الأستاذ فرانسوا توال فقد اهتمَّ بالتشيّع، ومن اشهر ما كتبه كتاب بعنوان:«جيوبوليتك التشيّع». ويقول «توال» مؤكداً تأثره بالدكتور هنري كوربان:«منذ وقت طويل انصبّ اهتمامي على التشيّع بعد أن اطلعت على مؤلفات هنري كوربان التي التهمتها كلها».

ويؤكد فرانسوا توال على أنّ الإسلام بمفاهيمه الروحيّة والعقائديّة العامّة لن يتّم فهمه ما لم نفهم نحن أهل الغرب المذهب الشيعيّ القويم، ويؤكد قائلاً:« سيبقى هذا العالم الإسلاميّ غير مفهوم منا سواء كان بشكله السياسيّ أو بشكله الجيوبوليتيكي أو بشكل حوار الأديان إذا كُنّا لا نعرف التشيّع».

لقد مات هنري كوربان عام 1978 ولكنّه كما يقول عنه ضياء الدين دهستري مترجم كتاب كوربان «أرض ملكوت»: «إنّ كوربان أشهر إسلامه سنة 1945 بعد أن قدّم خدماته العلميّة الجليلة للعالم الغربي وأفنى حياته في سبيل إعلاء ونصرة الفكر الشيعيّ المحتضن والمقتفي للآثار والمبادئ الفكريّة الخالدة لأهل البيت المطهرين i».

 

 

 

الهوامش:

(1) هيئة التحرير في مجلة «نور الإسلام» الصادرة في بيروت ـ السنة التاسعة عشرة الصادرة في أيار وحزيران 2018، العددان (219 ـ 220). من ص 32 ولغاية ص 36 بتصرف