ملحق الإمام الحسين (ع):محبة الله تعالى في النهضة الحسينيّة

4/1/2016
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

للمفتي الجعفري الممتاز العلاّمة الشيخ أحمد قبلان (1)

} { «» لأنّ الإسم يدلُّ على ما فيه، فإنّ معنى الحسينيّة أن تكون قلباً من وريد أحيا عقل الأمم، وأنعش يقظة وجودها، ولّها على معبرها المحتوم من الله رغم الثمن الباهظ، ثمن تحوّل رأساً على القنا مع رؤوس آل مُحمّدw، فضلاً عمّا تهدّج به صوت السّماء من سبي العقيلة زينب وأخواتها وأهل بيتها، وهنّ قلب البتول وبضعة الرسول، ورغم ذلك فقد أدار الحسين طرفه في السّماء ثمّ قال: أرضيت يا ربّ.. خذ حتى ترضى.. ثم أخذ كفاً من دم نحره الأقدس فرمى به نحو السّماء ليؤرّخ على الإنسانيّة أن قتيلاً دون الله لا يُساوي كفّاً مِن تراب.

من هنا يمكننا فهم وجودنا، وحقيقة عطائنا، وموقع وظيفتنا التي سنسأل عنها، وهذا يعني وفق العطاء الحسينيّ، أن الإنسان بالإنسان، وجعُهُ من وجعِه، ومأساتُهُ من مأساتِه، وسعادتُهُ من سعادتِه، لأن معنى أن تكون مؤمناً يعني ضرورة أن تحفظ رعيّة الله، وأن تبدّد عنها شبح الظلّم والخوف والجهل والفساد، وبهذا تتحوّل خدمة الإنسان للإنسان إلى محراب عزيز على الله، يُترجم قول النبي w : « إنَّ الله تعالى سائلٌ كل راعِ عمّا استرعاه أحفظ ذلك أم ضيَّعه، حتّى يسأل الرَّجل عن أهل بيته » و «السُّلطان عن رعيته والجار عن جاره والغني عن الفقير، والقوي عن الضعيف »، حتى أنّك ترى أكثر النّاس موقوفين مسؤولين يوم القيامة. وما أشدّها من قنطرة على النّاس يومئذ، وما أعظمَها من حسرة.

من هنا، ونزولاً على محبة الله بخلقه أكدّنا ضرورة أن نعيش المحبة جزءاً من العبادة، وأن ننبذ الضغينة والحقد من بيننا، وأن نستثمر كل طاقتنا وإمكاناتنا بما يؤكد روح المسؤولية اتجاه الله والإنسان، لأن التاريخ علّمنا أنَّ الأُمّة التي تتمزّق من الداخل تتآكلها ذئاب العالم.

وهو ما نعيشه الآن، لدرجة أنّ العرب تقتل العرب، والمسلم يذبح المسلم بعيداً عن منطق الله، وبما يجافي حقّ الإنسان على الإنسان.

ولا شك أنّ البعد عن الله وسط دول ضعيفة تعيش السلطة كأساس لاستبدادها سيدفع النّاس لتقتل بعضها بعضاً، بخلفيّة التجهيل الذي تمارسه السلطة، والفهم الخاطئ لدور الإنسان، فضلاً عن تحوّل الدول الضعيفة إلى أداة بيد أباطرة هذا العالم لتنفيذ مشاريع إبادة، كتلك التي تجري في سوريا والتي تكاد تتحول حرباً إقليميّة دولية من طراز مُخيف.

ولأننا بقلب هذه المعركة، ولأنّ المعركة أكبر من مشروع إعادة ترتيب نفوذ، هذا يعني أن الحرب حرب وجود، وهذا يقتضي منّا موقفاً صريحاً، لأنّ المعركة معركة خيار وموقف وهمّنا الوحيد فيها تأكيد الإسلام كدين للرحمة والصفح والتسامح، وليس ديناً لأرواء السماء من دم الأبرياء بخلفيّة عقل تكفيري يعتقد أن السماء لا تشبع إلاّ من الدماء، وهذا يقتضي كسر المشروع الأمريكي الصهيونيّ العرّاب لهذه الحرب، خاصة أن بعض العرب والترك مُجرد أداة عمياء في عملية تفجير الشرق الأوسط، وإبادة من فيه على الطريقة المذهبيّة.

وهذا يقتضي منّا التأكيد على دور المقاومة والجيش والشراكة الشعبيّة كأساس مُطلق لحفظ لبنان، وهو يفترض تحويل التضامن السياسيّ إلى تضامن مُطلق، لأنّ وضعيّة لبنان على حد السيف، والظروف مُعقدة جداً، والآتي ليس هيناً على الإطلاق.

لذا فإننا نصرُّ على تثمير طاولة الحوار الوطنيّ التي دعا إليها الرئيس برّي، والخروج منها بتسوية وطنيّة تحفظ هذا البلد بمؤسساته الدستوريّة، وتمنع الشلل عن مؤسساته الأمنيّة والخدْميّة.

في لحظة تاريخيّة هي الأخطر على الإطلاق نعيشها، نقف من على منبر الحسين (ع)، الذي يمثل أمر الله، والذي يمثل عنواناً لوطن العدالة والمساواة والقيم والشراكة والتراحم، من على هذا المنبر نطالب الحكومة اللبنانيّة أن تستلهم العبر ممّا يجري في المنطقة، وبين الدول، من فتن وفوضى هدّامة، هدّامة للأمّة ولشعوبها، أن تستلهم هذه الحكومة العبر لتبني على ذلك انحيازها للبنان. لبنان المقاومة والإنتصارات، لبنان العدوّ لإسرائيل، الصديق للعرب والمسلمين، لبنان المسيحيّ والمسلم، لبنان الذي لا يقبل أن يكون ثمن صفقة برميل نفظ، لبنان الطين والأرض والشعب الأبيّ.

لذلك نؤكد أن حلّ الأزمة السياسيّة في لبنان يكون عبر السياسة، وبالإتفاق على قانون انتخابي، أولوياته العدالة والشراكة الصحيحة، والحاجة الوطنيّة بين مكوناته السياسيّة، تمهيداً من خلاله لانتخاب رئيس للجمهوريّة يعكس واقع التوازنات الوطنيّة، وليس نتاجاً لصفقة تأتي من الخارج.

 

الهوامش:

(1) كلمة سماحته في إفتتاح حسينيّة أهل البيت i، في بلدة الصوانة ، علمات ـ جبيل ظهر يوم الأحد الواقع فيه أوّل تشرين الأوّل 2015م.