مفاهيم وأخلاق إسلاميّة طرق الشيطان في اضلال العباد

20/04/2015
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

الحلقة الأولى

إعداد: الأستاذ محمد علي رضى عمرو

يشكل عالم الشيطان العدو الخفي والأشد ضراوة على بني آدم، فهو لا يفتأ يفسد أخلاق بني آدم وعقائدهم، ويورث بينهم العداوة والبغضاء، لذلك فلا غرو أن تتواتر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في بيان خطر هذا العدو، وسبل إضلاله وإفساده، حتى يحذره الناس، ويكونوا في مأمن من مكره وشره ... وقد بسط الله سبحانه القول في الشيطان في آيات كثيرة، وأوضح طرائق إضلاله وإغوائه في بيان جلي أقام به الحجّة على الخلق، وأزال به كل عذر لمعتذر.

فمن تلك الآيات قوله تعالى:(إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) سورة فاطر، لآية: 6. وهذا إعلان صريح بعداوة الشيطان لبني آدم عداوة لا هوادة فيها ولا مجاملة، وأن على العباد أن يقابلوا هذه العداوة بمثلها(فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا).

ولم يكتف سبحانه وتعالى بهذا الإعلان وإنما أتبعه بآيات كثيرة تبين سبل إغواء الشيطان وإضلاله للعباد، فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ)، سورة النور، الآية:21. ففي هذه الآية بيان للطريقة التي يتعامل بها الشيطان مع ضحاياه، فهو لا يهجم عليهم دفعة واحدة ليخرجهم من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى المعصية، بل يتدرج للوصول إلى هدفه، وينظر نقاط الضعف في الشخص، ويحاول أن يلج من خلالها، فإن وجد فيه قوة في دينه أتاه من جانب المباحات، وحرّضه على الإكثار منها ليضيّع عليه بعض المستحبات، ثم لا يزال به حتى يتهاون بالسنن، وهكذا حتى يتهاون في الواجبات ... وإن وجد في الشخص غلوا وميلا نحو التطرف في جانب من جوانب الدين حبَّبَ إليه البدع والمحدثات، ثم لا يزال به حتى يجعل منه حامياً لها مدافعاً عنها، بل وركناً من أركانها... وإن وجد في الشخص تهاوناً في الواجبات، وانهماكاً في المحرمات، فتلك الغنيمة الباردة حيث لا يزال يحثّه على التفلت من الفرائض، ويحرّضه على الإكثار من فعل الحرام، حتى يصبح عديم الدين والخلق ... ولا يكتفي الشيطان بإضلال العباد فحسب بل يتبع إضلاله تزينناً لباطله، فلا يدع ضحاياه فريسة لتأنيب الضمير، وأسرى لتقريع المواعظ، وإنما يحاول أن يبقيهم في سلام داخلي مع أنفسهم بأن يزين لهم أعمالهم، فلا يشعروا بأي نفور عنها، أو أنها مخالفة للفطر والعقول، قال تعالى: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)(سورة الإنعام، الآية: 43.

وقال تعالى أيضاً: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ)، سورة الأنفال، الآية: 48. ويأتي هذا التزيين على شكل مبررات يسوقها الشيطان لضحاياه لتبرير أفعالهم؛ فالذي يزني ويأتي الفواحش يزين له أنه يمارس حريته الشخصية، والذي يسرق ويختلس يزين له أنه يستعين بذلك على تكاليف الحياة، وهكذا.

ومن العجيب أن أسلحة الشيطان في ذلك لا تخرج عن التأثير النفسي، وهو ما سماه الله ب«الوسوسة» وهي حديث النفس والكلام الخفي الذي لا يُسمع، فالشيطان يوسوس في صدور الناس ويأمرهم بالمنكر وينهاهم عن المعروف، وقد مكنه الله من مخاطبة النفس والإيحاء إليها، قال تعالى:(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاس ِمِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ )، سورة الّناس، الآية 1ـ 6. فالوسوسة هي سلاح إبليس، وما أخرج آدم (عليه السّلام) من الجنّة إلا وسوسة إبليس، قال تعالى: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى)، سورة طه:120. ورغم افتقاد إبليس للسلاح المادي في الإضلال إلا أنه قد أغوى أكثر الخلق ـ والعياذ بالله ـ وكان لوسوسته تأثير كبير على إضلال البشر، يساعده في ذلك موافقة أهواء النفس وشهواتها لما يدعو إليه، فيجتمع على العبد هوى النفس ورغبتها وسوسة الشيطان فلا يقف أمامهما إلا خالص المؤمنين.

هذا مع أن الله قد أخبر أن ( إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً)، سورة النساء:76، إلا أن ضعف النفس البشرية أمام المُغريات قد أعطى لضعف الشيطان قوة، ذلك أن قوة العدو في أحيان كثيرة لا تستند إلى قوة ذاتية بقدر ما تستند إلى ضعف الخصم وتراخيه واستسلامه؛ لذلك كانت الآيات القرآنية مُنصبةٌ على التحذير من وسائل الشيطان وأساليبه في الغواية من أجل تقوية النفس البشرية، وتحصين دفاعاتها .، فذكر الله سبحانه حقيقة مطالبه وغايات دعوته، وأنها لن تؤدي بالإنسان سوى إلى الشقاء في الدنيا والآخرة، فقال سبحانه: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء...) سورة البقرة الآية: 268، فالشيطان لا يريد إسعاد البشرية بل إهلاكها، ولا يريد غنى البشرية بل إفقارها، ولا يريد طهارة البشرية بل تدنيسها !!

وبيّن سبحانه وتعالى أن من غايات إبليس إيقاع البشرية في النزاعات الداخلية والخارجية، وإشعال الحروب والعداوات بين المؤمنين، قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) سورة المائدة، الآية: 91، وبيّن سبحانه وتعالى أن كل الرذائل والمنكرات والفواحش مصدرها إبليس اللعين، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) سورة المائدة، الآية: 90.

وفي إطار الصراع الشامل بين الخير والشر ومعسكر الإيمان ومعسكر الكفر يستعمل الشيطان في سبيل هزيمة المؤمنين أساليب متعددة منها؛ نشر الخوف والذعر فيما بين المؤمنين، قال تعالى:(إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) سورة آل عمران:175. قال مجاهد: «يخوف المؤمنين بالكفار»، والخوف إذا استبَّدَ بالإنسان يفقده كل قدرة على المبادرة، ويشلُّ تفكيره، ويجعله ضمن مخططات الغير, فلا يستطيع لنفسه ضراً ولا نفعاً.