عناصر المقاربة والتماهي بين السيد المسيح والامام علي (ع)

25/3/2019
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

الحلقة الأولى

للأستاذ يوسف حيدر أحمد

قال النبيّ w، لعليّ (ع):

«إنّ فيك لشبهاً من عيسى بن مريم (ع)» (1).

عظماء الدنيا:

«عظمة الدنيا تقاس بعظمة أبنائها، لأنّها بدونهم لا نكهة ولا قيمة لها، لذلك يقدّر النّاس عظماءهم ويقدسون أصحاب القامات الوازنة منهم، لأنّ بهم تحلو الحياة، ويصبح لها معنى، ولأنّ سيرتهم تكون عنوان تقدم مستمر وحافزاً نحو الأفضل والأكمل والأسمى...

فالشخصيّة الكبيرة من النّاس، بما فيها من المعنى الإلهي والسرّ القُدسي، والقبس العلوي، تنير السبيل للإنسانيّة في حالكة الظلم، وفي الليل الأليل... وكذلك تكون في حياتها دليلاً أميناً وبعد مماتها أمثولة رائعة فيها من كل عناصر الخلود والسمو. وتاريخ كل أُمة، إنّما هو في الحقيقة تاريخ عظمائها. فأُمةٌ لا عظيم فيها لا تاريخ لها وليست جديرة بالتاريخ (2)».

فعظماء الدنيا يدغدغون القلب، والفكر، والعقل والروح ويرفدون النّاس بطاقةٍ من العزم والأمل والإبداع وثقافة الحياة الفاضلة.

ومن هؤلاء العظام، الّذين اشرقت بهم الأرض، وأضاءت لأنوارهم السماء؛ نذكر السيّد المسيح، سيّد المحبّة والوداعة والسلام، وعليّ بن أبي طالب إمام المتقين، وصديق الفقراء والزاهدين.

هذان العظيمان رسم صورة أعمالهما الجليلة على لوحة الوجود، بتقاطع مع عظمة النبيِّ العربيِّ ـ الأديب والشاعر والرسام اللبنانيّ القدير جبران خليل جبران الذي بعدما نقّب وبحث عن العظمة، فوجدها في ثلاثة رجال فقال بثقة وصراحة:« عظماءُ الدنيا ثلاثة: «المسيح ومُحمّد وعليّ (3)».

فأين تكمن عظمة هذين الرجلين الخالدين (المسيح وعليّ). وما وَجهُ التّشابُه والتقَارُب بين مختلف جوانب شخصيتيهما؟ علماً بأنّ الأهداف قد تتقاطع في بعض الوُجوه، مع وجود اختلاف في آليات ووسائل تحقيقها، ولا بأس بذلك ما دام الجوهر واحداً في خانة التماهي والتقارُب والانسجام والتلاقي... فأين موقع هذين الرجلين من كل ذلك...

معجزة الولادة والطفولة

بين السيّد المسيح والإمام عليّ

لم تأتِ معجزةُ السيّد المسيح عيسى ابن مريم من فراغ، وإنما سبقتها إرهاصات ومسوّغات جعلت من حدوثها أمراً إلهياً حتمياً.

فبعدما استشرى الفساد والنفاق بين اليهود، وقتلِهم الأنبياء (متى 23/30 و 33) ورجمهم المُرسلين (لوقا 13 / 34) وتحريفهم شريعة موسى، وجعلوا همّهم جمع المال وتعمّقوا في المادة، وابتعدوا عن الروح. أنكر فريق منهم القيامة والحشر، ومن ثُمّ أنكروا الحساب والعقاب، ففسدت العقيدة، وفسدت الأخلاق، ولم يكن بُد من مُنقذ(4) لمعالجة أمراض اليهود الإجتماعيّة والروحيّة والجسديّة. وكان السيّد المسيح هو المُنقذ والمخلّص، والمؤيّد بالمعجزات الإلهيّة المتتالية.

وكانت أولى هذه المعجزات ولادته الشخصيّة، إذ أنّه ولد من السيّدة الطاهرة (آل عمران / 42 والتحريم / 12) والعابدة البتول مريم بنت عمران من دون أب وبكلمة إلهيّة: }كُن فَيَكُونُ{ (مريم/19 و 35 وآل عمران / 47 والبقرة / 117 وإنجيل متى 1 /18) وُلد بأمر إلهي بواسطة الروح القُّدُس (الملاك جبرائيل) وسُمي المسيح عيسى ابن مريم (لوقا 1/31) وجاء ليخلّص شعبه من خطاياهم (متى 1/21 و 23) ويكون وجيهاً في الدنيا والآخرة (آل عمران 45). أراد الله بهذه الولادة / المعجزة أن يوضّح لليهود، بأن قدرته هي التي ربطت الأسباب بمسبباتها وإنّها تستطيع أن تتجاوز هذا القانون، فيوجد المُسبِّب دون أن يوجد السبب. فخلق الله عيسى من غير أب لهذا، كما خلق آدم من دون أب وأم (آل عمران / 59).

ومن مادية اليهود،، إنكارهم الروح، واعتقادهم إنّ الإنسان مادة خُلقت من مادة، فأراد الله أَن يخلق إنساناً دون أن تكون المادة أساساً له (5).

وبالتالي، ترمي مُعجزة ولادة السيّد المسيح إلى إحياء الناحيّة الروحيّة، وإقامة الدليل على وجود الروح التي أنكرها أكثر بني اسرائيل. وترتّب على خلفيّة ولادة السيّد المسيح / المعجزة. معضلة إجتماعيّة عند السيّدة مريم البتول أمَة الله (لوقا 1/38) إذ كيف ستواجه النّاس بطفلها الوليد، وهي العذراء الطاهرة العفيفة، التي لم يمسسها رجل (مريم / 20 ومتى 1 / 21 / 23). وأمام هذا الاحراج، تمنّت السيّدة مريم الموت (مريم / 23) لتتخلص من هذه الإشكاليّة، التي سيعتبرها اليهود فيها أنّها زانية ولكن الروح القدس هوّن عليها الأمر كونه مُعجزة إلهيّة، وشجعها على الصوم عن الكلام، والإشارة إلى الرضيع إذ سألوها عن كيفيّة وسبب ولادته ووجوده. ولكي لا تترك الإرادة الإلهيّة السيّدة مريم خائفة ضائعة ومتبرمة، فقد انطق الله السيّد المسيح في المهد (آل عمران / 46) ليدافع عن شرف أُمّة وتنزيه ساحتها من تهمة الزنى، وليعبّر عن عبوديته لله، وإشهار نُبوءته وحبّه لوالدته البتول فقال:} إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيّاً{،(مريم 30 و31 و 32).

وعلى الرغم من استهتار اليهود بالقيم الدينيّة وتأصيل الفساد في نفوسهم المريضة، فقد أيدَّ الله السيّد المسيح بمعجزة جديدة علّهم يَرعووا، ويعودوا إلى حظيرة الإيمان، فقال لهم على لسان رسوله عيسى ابن مريم بمعجزة جمعت بين الإعجاز الإلهي في خلقه، ومعالجة أمراضهم الجسديّة والغيبيات، والتفكير في ملكوت الله فقال مُوجّهاً الحديث إلى بني اسرائيل:« }أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ{ (من يولد أعمى) }والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ {(آل عمران / 49 ومتى 8 / / 3 و 9 / 29 و 30 و 14 / 36 ومرقص 1 / 40 و 42 ويوحنا 9 / 11).

النفخ والروح: مفردة النفخ تكررت مراراً في القرآن الكريم، متّصلة بخلق آدم، وخلق عيسى.}وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{ (آل عمران / 49). وحكاية عن السيّدة مريم قال تعالى:

}وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا{(الأنبياء/91 }وَمَرْيَمَ بْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا{ (التحريم/12). والمعنى من الآيتين الخاصتين بعيسى أن الله سبحانه نفخ في مريم روحاً خلقها (الله) بدون توّسط أب، ومعنى النفخ تحصيل آثار الروح في الجسم، والمقصود خلقناه بدون الطريق الطبيعيّ للخلق، ومثل ذلك حكاية عن آدم } وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي { (الحجر/ 29) و (ص / 71 و 72). أي أعطيته الروح التي هي ملكي، والتي لا يعرف كنهها سواي»(6) فالمسيح من روح الله من خلال النفخ في مريم (التحريم/12 والأنبياء/ 91) وآدم من روح الله من خلال النفخ في الطين (سورة ص/ 71 و72) واختلاف الطريقة لا يعطي لهذا إسماً ولذلك آخر، فكلاهما من روح واحدة هي روح الله. بسام مرتضى «المسيح بين القرآن والإنجيل» الدار الإسلاميّة ـ بيروت، ط. 2000، صفحة 72.

ويقول جبران خليل جبران بهذا الصدد في كتابه «يسوع إبن الإنسان» عن روح الله وكلماته على لسان يوحنا «ثُمّ تكلّم الله، فكان الإنسان من كلماته، وكان الإنسان روحاً مولودة من روح الله». جبران خليل جبران «المجموعة الكاملة المُعربّة» بيروت ط. 1964، ص 299.

وكانت حياة السيّد المسيح محروسة بالعناية الإلهيّة منذ طفولته، فعندما أراد الحاكم الروماني على فلسطين قتله، حلم يوسف هذا الرجل الصالح، بملاك الرّب يقول له:« قُمّ خذ الطفل وأمه، واهرب إلى مصر وأقم فيها حتى أقول لك متى تعود، لأنّ هيرودس سيبحث عن الطفل ليقتله (متى2/ 13). وعندما مات هذا الحاكم، حلم يوسف مُجدداً بملاك الرّب يقول له ويأمره بالعودة إلى أرض اسرائيل، لأنّ الّذين أرادوا أن يقتلوا الطفل قد ماتوا»(متى 2/20).

وكانت والدة السيّدة مريم فاضلةً، مترفعةً عن بذخ الحياة، ورافضة لطريقة بني اسرائيل، ومدافعة عن محراب العبادة. وفي المجتمع المادي الذي يقوم أساساً على عبادة المنفعة وكسب المال. ووقفت نفسها للدفاع عن قيم السماء بعد أن نذرت ما في بطنها مُحرّراً من أية عبوديّة (آل عمران / 55) (7).

لقد لعبت مريم u، دوراً مُميّزاً في حياة ابنها السيّد المسيح، فكانت سنداً له، ومتراساً لثورته الاجتماعيّة والروحيّة المباركة. حتى اعتبر الله هذا الثنائي المبارك (مريم والمسيح) آية كبرى من آياته المعجزة، فاسكنهما ربوة مستقرة في أرض فلسطين، يحيط بها جدول ماء جارٍ بقوله تعالى: }وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ{ (المؤمنون /50، ومريم /24 ، والأنبياء/91)(8)، ولقد وقفت السيّدة مريم مع إبنها العظيم/ وتحملت في سبيله كل أنواع القهر والعنت والأذى والإتهام (مريم/ 16 لغاية 20 ضمناً و 27 و 28)(9).

ولم تعطنا الأناجيل الأربعة إلاّ النزر اليسير عن طفولة ويفاعة السيّد المسيح، ولم يكتب الإنجيليون سوى أنّه كان يزاول النجارة، وقد نشأ ـ في ما يبدو ـ كما ينشأ الصبيان في عهده، وكان ينتقل مع أُمه بين الناصرة وبيت المقدس وامتاز بذكاء وعمق، فلم يكن يَهتمُّ بمظاهر الأشياء بل كان يغوص في أعماقها، وكان يسمع المدرّسين والحكماء فلم يسلّم بما يقولون به، بل يناقشهم كلّما رأى في كلامهم غموضاً أو الغازاً ممّا تعود سواه أن يقبلها دون تفكير أو نقاش، وقد ألمّ بالتوراة ونال من العلم قسطاً كبيراً (10).

وقد أيدّه الله برسالة الحكمة والنبوّة، فقد كان في الثانيّة عشرة من عمره، عندما كان يُجالس مُعلميّ الشريعة يستمع إليهم ويسألهم. وكان جميع سامعيه في حيرة من ذكائه وأجوبته (لوقا 2/42 ـ 46 ـ 47) وكان ينمو في القامة والحكمة والنعمة عند الله والنّاس ( لوقا 2/ 52).

وفي الثلاثين من عمره بدأ رسالته (لوقا 3/23).

ولادة الإمام عليّ وطفولته:

وبموازاة معجزة ولادة السيّد المسيح وطفولته الناضجة والظافرة والمباركة. سيفاجأ الباحث بأنّ ولادة عليّ وطفولته، هي أيضاً تحمل تاريخاً حافلاً، بما حظيّ به من أوسمة السماء... بما لم يحظ به غيره من المسلمين من سابقين ولاحقين منذ الوسام الأول حينما شاء الله له أن يُولد في بيته الحرام(11).

وحسبنا أن نتصور هذا الوليد الجديد، وقد وضعته أمّه في مثل هذا المكان المقدّس، يستقبل أول ما يستقبل من هذه الدنيا، تلك القطعة المشرّفة من الأرض التي اختارها الله لتكون قِبلة الصلاة. وقطب الطواف ومحجّة القلوب المؤمنة (12) ويقول الحافظ الكنجي الشافعي في ما يرويه عن الحاكم النيسابوري » ولم يولد قبله ـ أي قبل عليّ ـ ولا بعده مولود في بيت الله سواه، إكراماً له بذلك وإجلالاً لمحله من التعظيم (13).

كما خُصّت والدته فاطمة بنت أسد بالولادة في الكعبة المكرمة فلم يسبقها في هذ المكرمة امرأة ولن تعطى بعدها لانثى (14) وعناية الله بحياة عليّ ليست كلمة عاطفية يقولها مُحبّ في حبيب ولكنها عناية من نمط خاص وبتقدير غيبي لافت للنظر، ومثير للانتباه(15). ويدلُّ ذلك على عناية إلهيّة خاصة بعليّ دون غيره من النّاس (16) والدليل على ذلك، أن آلية ولادة عليّ كانت مثار دهشة وتعجّب، فقد اقبلت فاطمة بنت أسد، وكانت حاملاً، وكانت على ملّة جدها إبراهيم الخليل الحنفيّة. أقبلت نحو المسجد الحرام، وطافت حول الكعبة، وتعلقت بأستارها. داعية الله لتيسير ولادتها. وبعد إنتهاء دعائها. انشقَّ جدار الكعبة من الجانب المسمى المُستجار، ودخلت جوف الكعبة، وارتأب الصدع، وولدت فاطمة عليّاً هناك وبقيت ثلاثة أيام في الكعبة، وانتشر الخبر في مكّة، وجعل النّاس يتحدّثون به حتى كان اليوم الثالث فإذا بفاطمة قد خرجت مع وليدها، من الموضع الذي انشقَّ لدخولها، ثُمّ عاد الجدار لينغلق (17) والغريب أن الأثر لا يزال موجوداً على جدار الكعبة خلال هذه القرون (18).

وقد أثنى الرسول على هذه الولادة ـ ولم يكن يومها بَعدُ نبياً ـ وقال: وُلد لنا مولود يفتح الله علينا به أبواباً كثيرة من النعمة والرحمة (19).

وقبل التطرق في الحديث عن الطفولة المباركة التي أمضاها الإمام عليّ في كنف الرسول، يجدر بنا أن نرصد تسلسل الأحداث ونربط الأسباب بمسبباتها، لنعرف الظروف والأقدار التي رتبت إقامة عليّ في منزل الرسول ولنتساءل عما إذا كان كل ذلك مجرد صُدفة أم تخطيط غيبي وتدبير إلهي؟.

تحدثنا كتب السيرة النبويّة أن قُريشاً أصيبت بقحطٍ وشحٍّ في المواد الغذائيّة، وبديهي أن يكون شيخ القبيلة وزعيمها أبو طالب (عبد مناف بن عبد المطلب)، قد أُصيب أكثر من غيره في هذه الأَزمة، كونه كان الملجأ والمرتجى للنّاس الجائعين، فنفذ ما لديه قبل أن ينفذ ما لدى غيره.

أحسَّ القريبون من أبي طالب والمطّلعون على أوضاعه الخاصة بما يعانيه، فتقدّم رسول الله ـ ولم يكن قد بعث بالنبوة يومذاك ـ إلى عمّه العبّاس، واقترح عليه أن يأخذ كل واحد منهما إبناً من ابناء أبي طالب مع رسول الله ـ (وشاء الله تعالى بقاء عليٍّ مع رسول الله)، حتى بعثه الله نبيّاً (20).

فهل حدوث هذه الأزمة صدفة؟ وضيق أبي طالب صُدفة؟ واقتراح مُحمّد على عمّه العبّاس صُدفة؟ أبداً! إنّها تخطيط غيبي لا علاقة له بالصُدفة، والاحتمال. مُطلقاً (21) ونشأ وليد البيت في أحضان مُحمّد. فإذا هو صبيّ لامع وفتى عبقري(22). (يحدّثنا الإمام عن تلك الحقبة الملائكيّة من طفولته التي أمضاها في كنف الرسول وتحت رعايته في مدرسته الأخلاقيّة والروحيّة والتنويريّة المباركة، فيقول عنها في معرض خطبته أمام أصحابه في الكوفة: [ وقد علمتم موضعي من رسول الله w، بالقرابة القريبة. والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره، وأنّا ولد يضمّني إلى صدره ويكنفني إلى فراشه، ويمسسني جسده، ويشمني عرفه (عَرَقهُ) وكان يمضغ الشيء ثُمّ يُلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة (خطأ) في فعل، ولقد قرن الله به w، من لدن أن كان فطيماً، أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه إتباع الفصيل (ولد الناقة)، أثر أمه. يدفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء (جبل قريب من مكّة) فاراه ولا يراه غيري. ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله w، وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوّة، ولقد سمعت رنّة الشيطان (صوته) حين نزل الوحي عليه w، فقلت:« يا رسول الله ما هذه الرنّة؟ فقال«هذا الشيطان قد أيس من عبادته إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلاّ أنّك لست بنبيّ ولكنك وزير، وإنّك لعلى خير (23)».

أفلا يُغرينا جواب الرسول للإمام هنا، ويدفعنا إلى القول بأنّ عليّاً كاد يدنو بخطوات قليلة من مقام النبوّة؟ ولم يكن ينقصه إلاّ الوحي فقط للوصول إليها. وقد أكدَّ الرسول في هذا الشأن مرة ثانيّة في حديث المنزلة عندما قال للإمام:« يا عليّ أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعديّ (24)».

وكان نضوج الإمام الفكريّ والنفسيّ، وتوقُّده الذهنيّ لافتاً ومتفوقاً على طفولته، ما حدا بالأستاذ عبّاس محمود العقّاد أن يقول:« ربما صحَّ من أوصاف عليّ في طفولته، أنّه كان طفلاً مبكّر النماء سابقاً لأنداده في الفهم والقدرة، لأنّه أدرك في السادسة أو السابعة من عمره شيئاً من الدعوة النبويّة التي يَدِقُّ فهمها، والتنبه لها على من كان في مثل هذه السن المبكرة. فكانت له مزايا التبكير في النماء (25)».

واضافة إلى نضوجه المبكر، كان عليّ يكنز فكره بموسوعة ثقافيّة عالية من الأخلاق والعلم والتفكير في ملكوت الله، وأساليب القيادة والريادة والحكمة. لأنّه كان يعيش مع رسول الله في بيته. يسمع منه كل آية تنزل عليه، وكل حكم يوحي به الله إليه، وكان يتعلّم من رسول الله كيف يكون الصابر عندما تكون الرسالة بحاجة إلى صبر، وكيف يكون المُتحرك عندما تحتاج الرسالة إلى حركة، وكيف يكون الشديد عندما تكون الرسالة بحاجة إلى شدّة، وكيف يكون المُسامح عندما تحتاج الرسالة إلى التسامح... فكانت أخلاقه صورة لأخلاق رسول الله w (26)، وهذا ما اشار إليه الشاعر اللبنانيّ الكبير بولس سلامة في رائعته الشعريّة «ملحمة الغدير»، مُثمِّناً أخلاق الإمام عندما قال:

فإذا لم يكن عليٌّ نبيّا

فلقد كان خلقه نبوياً

كما تميزت طفولة علي بالإعتزاز والثقة بالنفس، وبالشجاعة التي لا تعرف للخوف حدوداً. فكم كان يدافع عن رسول الله بيديه الفولاذيتين الصغيرتين، فكان الرسول إذا خرج من بيته، أغوى به كفار قريش الأطفال فيتبعونه ويرمونه بالحجارة، فكان يخرج عليّاً معه ليدفعهم عنه (27) وكان عليّ في العاشرة أو نحوها يوم أحاط كبار قريش النبيّ ينذرونه وينكرونه، وهو يقلّب عينيه في وجوههم ويسأل عن النصير ولا نصير، ولكن، عليّ كان عليّاً في تلك السن الباكرة، كما كان عليّاً وهو في الخمسين والستين فما تردد، وهم صامتون مستهزئون أن يصيح صيحة الواثق الغضوب:« أنّا نصيرك»(28) أنا عونك! أنا حرب على من حاربت (29) وعليّ هذا بشجاعته، وإيثاره الرسول على نفسه هو الذي نام في فراش النبيّ ليلة هجرته إلى المدينة، وقد علم ما تأتمر به مكّة كلها من قتل الراقد على ذلك الفراش (30).

قال الإمام يومها للرسول:« أتسلم يا رسول الله إذا نمت في فراشك؟ قال: نعم، فقال الإمام:« إذن لا أبالي بالموت!»، امتثل لأمر الرسول، والغبطة تملأ نفسه (31).

وقد روى المفسرون كلهم، أنّ قوله تعالى:} وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ{، (البقرة/ 207، نزلت في عليّ (ع)، ليلة المبيت على الفراش(32).

معرفة الله والعبادة

عند السيّد المسيح والإمام عليّ(ع)

إنّ رسالة الرسل والأنبياء والصالحين، هي مشروع تبليغ وإرشاد، التبليغ هو لمعرفة أحكام الله، وعبادته، والأمر بالمعروف والنهيّ عن المنكر، ودور الإرشاد هو لمعرفة الله والتخلّق بأخلاقه.

يقول الله في الحديث القدسيّ:« كنتُ كنزاً مخفياً، فأردتُ أن أعرف، فخلقتُ الخلق، فبي عرفونيّ»(33).

ويرفد هذا الحديث آية قرآنيّة تقول: }َمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ{ (الذاريات/ 56).

فإذا ربطنا بين هذا الحديث، وتلك الآية لاستنتجنا بأنّ الغاية من الخلق، هي معرفة الله، فمن عرف الله حقَّ المعرفة استغنى بعبادته عن عبادة النّاس والجاه والمال، وعمل لمرضاته وجنّته.

وعبادة الله، تعني التحرر من عبادة الإنسان للإنسان، ومن عبادة المال والجاه وجميع الأهواء والشهوات، أن لا يخضع إلاّ للحقِّ وأهله، والعمل لخير الدّنيا والآخرة. وعلى هذا تكون الغاية من خلق الإنس والجن وأن يحيوا حياة طيبة دائمة في دار الله وجواره، شريطة أن يتحرروا من العبوديّة ـ لغير الله ـ بشتى أنواعها ويعملوا صالحاً(34).

وَيُعطي الإمام عليّ حق المعرفة قيمة في منتهى العظمة لأنّها تصلنا بمعرفة خالق الدُّنيا والآخرة فيقول بكل علم وثقة:« من عرف نفسه، فقد عرف ربّه»(35).

ومن تقويم الإمام عليّ للمعرفة ندخل في عالم السيّد المسيح الروحيّ.

لقد عرف السيّد المسيح نفسه وعرف ربّه بُعيد ولادته، وذلك عندما أَنطقه الله بالوحدانيّة، وأيّده بالنبّوة وبِرّ الوالدة. وخدمة المجتمع وأَمره بالصلاة (مريم /30 و 31) وبداهة أنّ السيّد المسيح كان مُحاطاً بالعناية الإلهيّة وبالروح القدس (جبرائيل). لذلك قد عرف ربّه، ونسمعه يقول للفريسيين المشككين الإيمان عن معرفة الله:« أنتم لا تعرفونه، أمّا أنا فأعرفه إذا قلت إنّي لا أعرفه كنت مثلكم كاذباً، ولكني أعرفه وأعمل بكلامه» (يوحنا 8/55 و 56).

ويقول لليهود }إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ{» (مريم/36) (وآل عمران/ 51) والمائدة / 72).

لقد كرّس السيّد المسيح حياته ووجدانه وقلبه وروحه لعبادة ربّه، والتكريز لإرشاد النّاس ليتفرغوا لعبادة الله الواحد بعيداً عن شهوة المال والجاه والسلطان، لأنّ عبادة الله لا تسمح ولا تقبل بازدواجيّة المعايير. فإمّا عبادة الله وإمّا عبادة المال. ويُعطي مثلاً حيّاً على ذلك في معظم نصائحه ومواعظه فيقول:« لا أحد يخدم سيدين، لأنّه إمّا أن يبغض أحدهما ويحبُّ الآخر، وإمّا أن يوالي أحدهما وينبذ الآخر، فأنتم لا تقدرون أن تخدموا الله والمال (لوقا 16 / 13) ويناجي ربّه بوحدانيته المطلقة قائلاً بخشوع ورهبة وتأكيد » أنت الإله الحق وحدك (يوحنا 17/3).

وعندما سمعه أحد معلمي الشريعة يحسن الرد على الصدوقين الّذين ينكرون القيامة، دنا منه وسأله: ما هي أولى الوصايا كلها؟ فأجاب يسوع:« الوصيّة الأولى هي:« اسمع يا اسرائيل (يعقوب) الرّب إلهنا هو الرّب الأحد، فأحبْ الرّب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل فكرك وكل قدرتك» (مرقس 12 / 28 ـ 29 ـ 30).

وكما أحبَّ الرسول العربيّ مُحمّد w، الصلاة والتي كان يقول عنها:« قُرّةَّ عيني الصلاة». «كذلك السيّد المسيح كان يؤديها ليلاً ونهاراً تطبيقاً للأمر الإلهيّ حكاية على لسان السيّد المسيح». }وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا{.(مريم / 31). وأوصى هو بدوره تلامذته ومريديه والجموع المرافقة بالصلاة بكل آدابها وكيفيتها وغائيتها قائلاً:«وإذا صليتم فلا تكونوا مثل المرائين، يحبّون الصلاة قائمين في المجامع ومفارق الطرق ليشاهدهم النّاس (متى6/ 5 و 6).

وكثيراً ما كان السيّد المسيح يؤدي صلواته مشفوعة بصلاة الشُّكر على ما أنعم الله عليه من مُكرمات ومعجزات، فبعدما قام بمعجزة إطعام خمسة آلاف رجل من خلال خمسة أرغفة وسمكتين صعد إلى الجبل ليصلّي في العزلة صلاة الشكر (متى 14 / 16 ـ 17 ـ 23)، وكان يحب العُزلة في البراري ليصلّي وحيداً فيها (لوقا 5 / 16) وقد غمز من قناة تلامذته على تقصيرهم الدينيّ عندما سألوه: لماذا لم يستطيعوا طرد الروح النجس من جسد الصبيّ الماثل أمامهم فأجابهم المسيح: هذا النجس لا يطرد إلاّ بالصلاة والصوم (مرقس 9 / 28 ـ 29).

كما كان يحذر تلامذته والجموع من مصير الآخرة، ويوم الدينونة، والاستعداد لها بالصلاة والعبادة قائلاً لهم:« وأمّا ذلك اليوم، وتلك الساعة فلا يعرفهما أحد،... ... (مرقس 13/ 32).

وعندما ذهب إلى جبل الزيتون ليقضي صلاة الليل هناك قال لتلامذته: صلوا لئلا تقعوا في التجربة. وابتعد عنهم مسافة رمية حجر، ووقع على ركبتيه، وصلى. ووقع في ضيق، فأجهد نفسه في الصلاة، وكان عرقه مثل قطرات دم تتساقط على الأرض (لوقا 22 / 39 ـ 40 ـ 41 ـ 44) وكان يوصي تلامذته وجمهوره المؤمن باحترام آداب الصوم، وخلفياته الإجتماعيّة والإنسانيّة حتى تكون خالصة لوجه الله، فيقول لهم:« وإذا صمتم، فلا تكونوا عابسين مثل المرائين، يجعلون وجوههم كالحة ليظهروا للنّاس أنّهم صائمون، الحقّ أقول لكم هؤلاء أخذوا أجرهم أمّا أنت فإذا صمت فاغسل وجهك، وأدهن شعرك حتى لا تظهر للنّاس أنّهم صائمون. الحقّ أقول لكم هؤلاء أخذوا أجرهم أمّا أنت فإذا صمت فاغسل وجهك، وأدهن شعرك حتى لا تظهر للنّاس أنّك صائم، بل لخالقك الذي لا تراه العين...» (متى 6/ 16 ـ 17 ـ 18).

أراد السيّد المسيح أن يعيش تلامذته ومريدوه سعادة الدنيا ونعيم الآخرة، شريطة أن لا يرتكبوا الفواحش والخطايا كالزنى، والحلف بالباطل وترك الصلاة والصوم وعمل الخير، وكان يحذرهم ويخاف عليهم من نار جهنم طالباً اليهم لحماية نفوسهم من الشر ترتيل الصلاة اليوميّة التاليّة:« أبانا أي (خالقنا) الّذي في السموات ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك في الأرض كما في السماء، أعطنا خبزنا كفاف يومنا إغفر لنا ذنوبنا كما غفرنا نحن للمذنبين إلينا، ولا تدخلنا التجربة، لكن نجنّا من الشرير لأنّ لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد، آمين» (متى 9 إلى 13 ضمناً).

معرفة الله

والعبادة عند الإمام عليّ (ع)

لم يكن الإمام عليّ أقلُّ رغبة وعشقاً لعبادة الله من السيّد المسيح، ولا غرابة في ذلك، إذا علمنا ـ كما ذكرنا آنفاً ـ بأنّه كان ربيب رسول الله، وتلميذه النجيب، وصاحب الفكر النيّر المتوّقد منذ طفولته، وقد أشركه هذا النبيّ العظيم في جدليّة معرفة الله بقوله: «يا عليّ، ما عرف الله إلاّ أنّا وأنت وما عرفني إلا الله وأنت، وما عرفك إلا الله وأنّا»(36).

وكان الإمام يفتخر بعبادته لله قبل غيره من المسلمين فيقول:« ما أعرف أحداً من هذه الأُمّة عَبَدَ الله بعد نبيّنا غيري عبدتُ الله قبل أن يعبده أحد من هذه الأُمّة سبع سنين (37).

وكان الوعي والإدراك والتأمل والتفكير والتحسس بالمسؤوليّة إضافةً إلى مصاحبته الرسول، كلّها عوامل ساعدت في بلورة إيمانه النقيّ الغائر في أعماق نفسه. فنسمعه مناجياً ربّه بخشوع، وبكلمات تقطر نوراً وعشقاً وهيبة وعظمة وجمالاً: «إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك «وذلك ليس خوفاً من عقاب بل خشوعاً لهيبة الجلال، وعلماً بعظمة المُبدّع، وشكراً لنعمة المنعم عزّ وجل»(38).

ومن شدّة خشوعه لله في صلاته، كان يشعر أنّه واقف أمام الله وبين يديه، شعور من رأى بالعين ولمس باليد (39) وللتدليل على ذلك نورد هذه الحادثة التي يخبرنا عنها أبو الدرداء أحد أصحاب الإمام عليِّ، فيقول بأنّ الإمام إعتزل أصحابه، واختفى مُستتراً بنخيلات، إفتقده، وَبُعدَ مكانه عليه، ثُمّ سمع صوتاً حزيناً، ونغمة شجيّة في مناجاة، راح يبحث عن صاحب الصوت، ولم يلبث أن عرف مكانه. يتابع أبو الدرداء قائلاً عن الإمام: «ثُمّ انفجر الإمام باكياً وخمد صوته فسارعتُ إليه فوجدته كالخشبة المُلقاة، فحركته فلم يتحرك فبادرت إلى منزله أنعاه إلى زوجته فاطمة فسألته: ما كان شأنه؟ فأخبرها بما رأى، فقالت: هي والله يا أبا الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله»(40).

وبلغ به الذوبان في العبادة، أنّه كان يُؤخذ النّشاب من جسده عند الصلاة دون أن يشعر، لإنقطاع نظره عن غير الله بالكلية (41).

وقد أُهدي للرسولw، ناقتان فأراد أن يمتحن إيمان أصحابه قائلاً لهم: من يُصلي ركعتين لا يهتمُّ بشيء من أمر الدُّنيا ولا يُحدّث قلبه بفكر من أفكارها أهديه احدى الناقتين فلم يجرؤ أحد إلاّ الإمام، فقال له: قُم وصلِّ، فصلّى الإمام وحين التشهُد خطر له أن يأخذ أحسن الناقتين فينحرها ويتصدَّق بها لوجه الله، وحين انتهى الإمام من الصلاة أخبر النبيّ بذلك فقال له: هذا الفكر لله وللآخرة، لا للدنيا ونفسك، وأعطاه الناقتين فنحرهما وأطعمهما المعوزين (42).

وكان يقضي معظم أوقات فراغه بالصلاة والمناجاة، ولا سيما صلاة الليل التي كان يقول بشأنها:« ما تركت صلاة الليل منذ سمعت النبيّ يقول:« صلاة الليل نور»(43).

ولم تكن الصلاة والصوم مجرد شكليات ومظاهر عند الإمام إنّما كان يعتبرها بجوهرها وأهدافها وكيفيّة أدائها السليم بكامل شروطها فيقول لتلميذه المخلص كُميل بن زياد:« يا كُميل ليس الشأن أن تصلّي وتصوم وتتصدق وإنما الشأن أن تكون الصلاة بقلب نقي وعمل عند الله مرضي. فأنظر في ما تصلّي، وعلام تصلّي، فإنّ لم يكن من وجهه وحلّه فلا قبول «(44) ولم يكن يترك الصلاة في أشدِّ الأوقات حراجةً، فقد افتقده قائد جيشه مالك بن الحارث الأشتر في معركة صفين وهي على أشدّها، ثُمّ وجده قائماً يصلّي، إنتظره حتى إنتهى وقال له: أفي مثل هذه الساعة؟ فأجابه الإمام «نقاتل لأجلها ونتركها»(45).

وقد منحه الله وساماً إلهياً من أجل صومه وسبب ذلك أنّ الحسن والحسين مرضا فأشار الصحابة على الإمام بنذر صوم على رجاء شفائهما فصام وزوجه فاطمة وخادمتهما فضة ثلاثة ايام. وعند الإفطار جاءهم مسكين يقول: أطعموني أطعمكم الله من الجنّة، فآثروه بطعامهم، ولم يذوقوا إلا الماء واصبحوا صائمين وهكذا حدث في اليوم الثاني والثالث عند إفطارهم فنزلت الآية بحق الإمام تقول: }يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً{ (الإنسان /7 و 8).

واستحقّ الإمام وساماً نبويّاً من رسول الله يُثني فيه على زهده وإحسانه وشدّة عبادته فيقول مادحاً بإعجاب وتكريم: «النظر في وجه عليّ عبادة»(46).

 

الهوامش:

(1) «صوت العدالة الإنسانيّة» جورج جرداق، منشورات ذوي القربى، قم إيران، ط. أولى 1960م. 1381هـ. ج. 1 ص 53. وعبد الرسول الغفار، ملامح شخصيّة الإمام عليّ، مؤسسة النعمان ـ بيروت للطباعة والنشر، ط. أولى 1988م. ص 211 , 213 .

(2) «سمو المعنى من سمو الذات أو أشعة من حياة الحسين»، عبدالله العلايلي ، دار الجديد ـ بيروت، ط. رابعة، ص 120.

(3) «تجارب محمد جواد مغنيه بقلمه » محمد جواد مغنيه، دار الجواد بيروت ، ط. أولى1981، ص 6 و «صوت العدالة الإنسانيّة» جورج جرداق مصدر سابق، ج. الثاني، ص 951.

(4) «مقارنة الأديان» أحمد شلبي، الكتاب الثاني، المسيحيّة، مكتبة النهضة المصريّة القاهرة، ط. ثالثة 1967م. ص 30 و 31.

(5) المصدر السابق نفسه، ص 29.

(6) المصدر السابق نفسه، ص 28.

(7) هادي المدّرسي، محاضرات دار الإيمان للطباعة والنشر، بيروت، صفحة 72.

(8) المصدر السابق نفسه، ص 74.

(9) المصدر السابق نفسه، ص 73.

(10) «مقارنة الأديان» أحمد شلبي، مصدر سابق، ص 30.

(11) «الإمام عليّ بن أبي طالب سيرة وتاريخ» محمد حسن آل ياسين، منشورات المكتب العالمي للطباعة والنشر ـ بيروت، ط. أولى 1978، ص 13.

(12) المصدر السابق نفسه، ص 16.

(13) المصدر السابق نفسه، ص 17.

(14) «فاطمة بنت أسد (رضي الله عنها)» عليّ محمد علي دخيّل، موسوعة أهل البيت ـ بيروت، ط. 1979م. ص 7.

(15) محمد حسن آل ياسين، مصدر سابق، ص 14.

(16) المصدر السابق نفسه، ص 17.

(17) «عليّ من المهد إلى اللحد» محمد كاظم القزويني، دار العالم الإسلاميّ بيروت طبعة عاشرة 1981، ص 20.

(18) المصدر السابق نفسه، ص 18 ـ 19.

(19) «حياة أمير المؤمنين» محمد صادق الصدر، دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت، الطبعة الثالثة د. ت ص 29 ـ 30.

(20) محمد حسن آل ياسين، مصدر سابق، ص 18.

(21) المصدر السابق نفسه، ص 18.

(22) المصدر السابق نفسه.

(23) «نهج البلاغة،عليّ بن أبي طالب»، دار المرتضى ـ بيروت، ط. أولى 2003م. ج. الثاني، ص 373.

(24) «صحيح مسلم»، الإمام مُسلم بن الحجاج النيسابوريّ، دار الكتب العلميّة ـ بيروت، ط. أولى 2001م. حديث رقم 2404، ص. 939. ومحمد حسن آل ياسين مصدر سابق، ص 110.

(25) «عبقرية الإمام عليّ» عباس محمود العقاد، دار الكتاب العربي ـ بيروت، ط. 1967، ص. 14.

(26) «إيحاءات في القيمة والمعنى»، محمد حسين فضل الله «معدن الرسالة»، إعداد وتنسيق شفيق محمد الموسوي ـ إصدار المركز الثقافيّ الإسلاميّ في بيروت، ط. أولى 2013م. ص 66.

(27) «الشيعة والحاكمون» محمد جواد مغنيّة، دار الجواد ـ بيروت، ط. خامسة 1981م. ص. 33 و 34.

(28) عباس محمود العقاد، مصدر سابق، ص. 25.

(29) جورج جرداق، مصدر سابق، ج1، ص 464.

(30) عباس محمود العقاد، مصدر سابق، ص. 25.

(31) «الشيعة والحاكمون» محمد جواد مغنيّة، مصدر سابق، ص 34.

(32) «الإمام عليّ ادوار ومواقف» ايوب الحائريّ، دار الولاء ـ بيروت، ط. ثالثة 2013م. ص. 28. وورد عن ابن عباس أنّه نزل في عليّ أمير المؤمنين ثلاثمائة آية. علي محمد علي دخيّل، فاطمة بنت أسد (رض)، مصدر سابق، ص. 31 ويقول ابن عساكر: ما نزل في أحد من كتاب الله تعالى ما نزل في عليّ، ولقد بلغت الآيات فيه ثلاثمائة آية، محمد جواد مغنية موسوعة «الإمام عليّ» كتاب «عليّ والقرآن» مصدر سابق، ص. 52.

(33) «التفسير الكاشف» محمد جواد مغنيّة، دار الجواد ـ بيروت، ط. ثالثة 1981، الجزء السابع، ص 159.

(34) المصدر السابق نفسه، ص 158.

(35) «الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانيّة» جورج جرداق، منشورات ذوي القربى، مصدر سابق، ج. الأوّل، ص. 475.

(36) موسوعة «الإمام عليّ» كتاب محمد جواد مغنية، مصدر سابق. كتاب «إمامة علي والعقل» دار الجواد ودار التيار الجديد ـ بيروت، ط. أولى 1994م. ص. 141.

(37) عباس محمود عقاد، مقالة بعنوان «ملتقى الشعوب البشريّة» نقلاً عن كتاب «الإمام عليّ قصة عيد الغدير» دار المرتضى ـ بيروت، ط.1 2005م. ص. 23.

(38) موسوعة «الإمام عليّ» كتاب محمد جواد مغنية، مصدر سابق. «فضائل الإمام عليّ» دار الجواد ودار التيار الجديد ـ بيروت، ط. أولى 1994م. ص. 377.

(39) المصدر السابق نفسه، ص 375.

(40) عباس محمود عقاد، مقالة بعنوان «ملتقى الشعوب البشريّة» نقلاً عن كتاب «الإمام عليّ قصة عيد الغدير» دار المرتضى ـ بيروت، ط.1 2005م. ص. 23.

(41) «أخلاق النبيّ وأهل بيته» باقر شريف القرشيّ، دار جواد الأئمة ـ بيروت، ط. أولى 2005، ص. 62 ـ 63.

(42) المصدر السابق نفسه. الصفحة نفسها.

(43) موسوعة «الإمام عليّ» كتاب «فضائل الإمام عليّ» محمد جواد مغنية، مصدر سابق، ص. 378.

(44) «الإمام عليّ رسالة وعدالة» خليل ياسين، دار العلم والحكمة ـ بيروت، ص. 127، ط. 2010م. ص. 127.

(45) «الحسين وبطلة كربلاء» محمد جواد مغنية، دار مكتبة التربيّة ـ دار مكتبة التربيّةـ بيروت، لا. ت، ص. 19.

(46) «الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانيّة» مصدر سابق، الجزء الأوّل، صفحة 53.