الدكتور محمد عقل وأبجدية القرآن الكريم

20/1/2017
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

بقلم القاضي الدكتور الشيخ يوسف محمد عمرو

طالعتنا صحيفة «البلد» وغيرها من صحف صادرة يوم الإثنين الواقع فيه 14 تشرين الثاني بخبر وفاة مهندس الكلمات الأديب والصحافي الدكتور محمد علي حسن زين عقل يوم الأحد الواقع فيه 13/11/2016م. حيث ووري في الثرى في جبانة بلدته لبايا ـ البقاع الغربي، الثانية والنصف عصر يوم الإثنين وسط حشد كبير من أرحامه وأصدقائه، مثَّل النسيج اللبناني بأجمل صوره في بقاعنا الحبيب.

وقد نعته الزميلة مجلة «شؤون جنوبيّة» بالكلمات التاليّة:[«صباحاً في الباكر. هبط الخبر كالصاعقة، مُحمّد عقل في ذمة الله، من يصدِّق؟ صحيح أننا نعيش مع الموت يومياً ومع أخباره لكن خبر أحبائنا وأصدقائنا وزملائنا قسوته وألمه كبيران.

باحث وكاتب وأستاذ وخبير لغات وحضارات وتاريخ ومدقق ومكتشف خلفيات كلَّ قصة وكلَّ تاريخ ... رحل فجأة من دون علم أو خبر. له تاريخ حافل في الإنتاج والعمل الثقافيّ والأدبي.

خسرتك «شؤون جنوبيّة» المجلة التي أَعطيتها من روحك شكلاً ومضموناً وتوجّهاً. إلى اللقاء يا مُحمّد، حزننا على عمود بقاعي يحمل همّاً جنوبياً، ونَفسَاً شمالياً، وقلباً بيروتياً، سقط ولن يعوّض (1)»].

معرفتي بالراحل

معرفتي بالراحل العزيز كانت في 2011م. حيث إستجزته هاتفياً بنقل بعض الصور التُراثيّة من «روزنامته» بإسم بلدته لبايا، التي أصدرها في عام 2000م. حول أزياء لبنان خلال مئة عام لمجلة «إطلالة جُبيليّة»، فأجازني شاكراً إتصالي به، بل زودني بجميع الأعداد التي أصدرها من مجلته «بلدنا» الصادرة في بيروت عام 2008م. ثُم أعقب ذلك بهدية نفيسة وهي أطروحته «أبجدية القرآن من مملكة سبأ» في كلية الآداب ـ الجامعة اللبنانيّة، حيث نال عليها درجة جيد جداً عام 2003م.

وهذه الأطروحة، أتت نتيجة سبعة عشر عاماً من البحث والتنقيب في الخطوط القديمة حيث جاء في تعريف هذه الأطروحة من قبل الناشر:[« أبجدية القرآن من مملكة سبأ، الكتاب الأوّل لمؤلفه مُحمّد عقل. هو المحاولة العربيّة الأولى التي تثبت بالدليل العلمي أنّ الحرف العربيّ الشماليّ (القرآني) يعود بأصوله إلى الخط المسندي الحِمْيَري في جنوب اليمن.

ويكشف أنّ هذه الأبجدية الجنوبيّة اليمنيّة، العموديّة الحروف (1200 ق.م.) تحوّلت إلى الأفقيّة عبر بُناتها الشماليات الثمودية واللحيانيّة والصفويّة (800 ق.م.) فضلاً عن تضمنها حرف الضاد (ض) الذي تسمّت العربيّة بإسمه. وهو غير موجود في «الساميّات» كلها!! وهذا ما يدحض مسلّمات نظريّة الأصل الفينيقي أو الآرامي للخط العربي. ويُحقق البحث في نظام الأبجديّة العربي وصوره ومعانيه. ويدقق في العلاقة الحركيّة بين الخط العربي واللغة العربيّة وجذورها الثلاثيّة اليمنيّة (1500 ق.م.). ما يؤكّد بالأدلة والمقاربات أن أبجديّة القرآن هي من مملكة سبأ، وأن عمر الحرف الحرفي يتعدّى الـ 4000 سنة. ويُزيّن الباحث صفحات الكتاب بمئات المخطوطات والجداول والرموز ونماذج الخطوط الدّالة والشروحات الوافية. والمصادر والمراجع والفهارس العلميّة. ما يجعل الكتاب موسوعة صغيرة تحقق وتبحث وتجتهد بأشكال الكتابة الخطوطيّة العربيّة وتطوّرها عبر العصور. وهذا ما جعل الجامعة اللبنانيّة ـ كلية الآداب تنوّه بالبحث. وتوصي بنشره في منشوراتها. (2)»].

وقد قال في هذه الأطروحة عميد كليّة الآداب اللبنانيّة البروفسور أسعد ذبيان:[«جاء محمد عقل بنظرية جديدة في مجال دراسة الخط العربيّ وقيمه الجماليّة والحضاريّة».

ويقول الدكتور أحمد الشاميّ:” رأيت منهجيّة ثابتة وتصميماً واضحاً وأسلوباً أكاديمياً وبحثياً، موصلاً إلى نتائج إتسمت بالجدِّة والرصانة (3)»].

وللدكتور عقل آثار أخرى أهمها مجلة «النقطة» التي أصدرها في بيروت وهي فصلية تشكيليّة. كما له مجلة «بلدنا» منذ سنة 2008م. وغيرها من كتابات وأبحاث ودراسات وأهمها أطروحته للدكتوراه التي قدّمها لكلية الآداب في الجامعة الإسلاميّة وهي بعنوان «معجم مصطلحات التوحد وتطور دلالاتها في ضوء اشارات النّص القرآني والحديث ونهج البلاغة والصحيفة السجاديّة» وهي دراسة في فقه اللغة.

وبعد، لقد كان للدكتور محمد عقل ولمسيرته العلميَّة والفكريَّة ولكتاباته وأعماله وبحوثه في مجتمعه الشيعي المحافظ وما صاحب ذلك من نقد وكلام، تماماً كما كان لأعمال سلفه الصالح العلاّمة الكبير الشيخ عبدالله العلايلي في مجتمعه السُنّي المحافظ حيث كان مصيرهما واحداً في عالم الفكر والتحقيق والإبداع وما تركاه من أعمال قيِّمة.. سائلاً الله تعالى لهذين الرجلين الرحمة ولطلاب الجامعات اللبنانيّة وأساتذتها الإهتمام بالتراث الذي تركاه والنظر إليه نظرة موضوعيّة جديدة.

وبعد فبإسمي وإسم هيئة تحرير مجلة «إطلالة جُبيليّة» ومستشاريها نتوجه بالعزاء إلى آل عقل الكرام وأهالي بلدة لبايا وسماحة المستشار القاضي السيد محمد حسن الأمين وهيئة تحرير «شؤون جنوبيّة» وإلى أصدقاء الفقيد الكبير بالعزاء. سائلين الله تعالى له الرحمة ولآل الفقيد وأصدقائه جميل الصبر وَحُسنَ العزاء.

 

 

 

الهوامش:

(1) صحيفة «البلد » الصادرة في بيروت في 14/11/2016م. ص 5.

(2) «أبجدية القرآن من مملكة سبأ» للأستاذ محمد عقل عن صفحة الغلاف الأخيرة ـ منشورات دار المحجّة البيضاء ـ بيروت، الطبعة الأولى 2009م.

(3) نفس المصدر، الغلاف الداخلي الأخير.