ذكريات في ثانوية المعيصرة الرسميّة

29/9/2015
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

بقلم: الأستاذ منيف الشوّاني (1)

وجدتني بعد التقاعد في إستراحة محارب منتقلاً من مجال التعليم إلى ميدان الحياة.. أمسكتُ العمر الطائر في سماء الكون واسترجعت أيامي أمام ناظري وعدت إلى سجل الذاكرة استحثه لجمع الصور المبعثرة في المدن والقرى والطرقات لأرى ما إذا كان منيف موسى الشوّاني عام 2015 هو إمتداد لما كان عليه يوم بدأ رحلة العمر في سلك التعليم...

إننّي سأعرض تسجيل الذاكرة لمحطات تناهت إليّ من التفاعل مع الحياة...

بدأت في بداية السبعينيات التعليم في القطاع الخاص في بيروت ـ برج حموّد، ثُم عدت 1973 ملتحقاً بمدرسة المعيصرة الرسميّة إلى القرية حيث خرجت إلى النور واستقبلتني الحياة بين ذراعيها المفتوحتين... وبدأت السعادة والجلجلة تلتقيان: من العذاب المضني في الإنتقال من مركز سكني في سن الفيل إلى المعيصرة وفي العام 1975م. جمعت أمتعتي وأثاثي واستقر سكني في قرية زيتون...

وبدأ صراعي مع الطبيعة ومع ذاتي فالحضور يومي إلى المدرسة. يبدأ مشواري في هندمة قدّي واعتدالي وأسير في طريق موعرة تتناقض مع شخصيتي ونفسيتي وما تربيت عليه...

أمرّ قرب صخرة صلدة تشبه عرشاً ملكياً أدار ظهره إلى اليابسة ووجهه إلى البحر...

أتعثر أكثر من مرة فأحاذر الوقوع أو أقع مراراً فأستجمع قوتي وأكمل..

يتعلّق بي العوسج ليمزّق ثيابي أو يؤخرّني عن الدوام ولكني أسترضيه وأتفلت من أنيابه الجارحة وأستأنف الرحلة...

أصل مضيقاً من الشجر الملتف فأترك مقود ذاتي على غاربه أمشي يميناً ويساراً وأنحني برأسي نحو الأرض وأستعين بعزم شبابي فأتخلص من الكمين...

أمّا الشتاء فلا يراعي حرمة أو يحافظ على قدر ومقامٍ فالرياح العاتية لا تمنعني من الإنطلاق ووابل المطر لا يثنيني عن الترحّل وإن تخلصت من ماء السماء فأبتل بالماء المستريح على أوراق الشجر...

أمّا الربيع وبداية الصيف فأناضل فيهما ضد لسع الشمس الحارقة من السماء وضد لسع الأفاعي المختبئة في ثنايا الأرض..

أصل إلى المدرسة ذات الغرفة الواحدة والمعلم الواحد الموهوب الجبار العالم الذي يجمع في ذاته عبقرية الإلمام من كل علم بطرف لأنّه ينقل اللسان من العربيّة إلى الفرنسيّة ومن المواد العلميّة إلى الأدبيّة وينتقل في الإهتمام من تلميذ إلى آخر أو من صف إلى آخر فيجتاز مسافة طاولة أو كرسي ليصل إلى الصف الآخر حيث يتجاور التلاميذ وتدمج صفوف المدرسة في غرفة واحدة أو يتقلّص حجم المدرسة ليصبح غرفة منسجمة مع ذاتها واحدة في ذاتها...

ارتاح أثناء فرصة الساعة العاشرة من التدريس ولكني أتقمصّ صفة الشرطي واراقب التلاميذ ونحافظ على النظام والقيم الأخلاقيّة وما كُنت أميّز ما نبصره في المنام وما نبصره في اليقظة وإن كان الفرق أنّ ما نبصره في المنام أوهام وأضغاث أحلام وما نبصره في اليقظة حقائق ملموسة وكنت أتساءل: أليست حياتي في المنام امتداداً لحياتي في اليقظة...

ويمتدّ الدوام من الثامنة صباحاً حتى الرابعة بعد الظهر وكثيراً ما كانت الغيوم تتلبد وتتكاثف وتغيب الشمس قبل أوانها فتبدو الدنيا كالحة عابسة والجبال تتكئ على رؤوسها السماء وتتراقص على جبهاتها أغرب الظلال فلا أضواء تتراقص ولا نغمات تتهامس.. عندها أتأمل الطبيعة وأبصرها بأكثر من عيوني واسمعها بأكثر من أذنيّ وأشعر بالإمتداد إلى لا نهاية.. والعودة إلى البيت تعودت الطريق والعادة طبيعة ثانية وثابرت وجاهدت بالقلم وتطورت المدرسة وتقدمت إلى المرحلة المتوسطة في التسعينيات وإلى ثانوية تامة المراحل في بداية الألفين بإدارة الدكتور حسن حيدر وتدّرجتُ إلى المرحلة الثانوية وكان التعاون مثالياً بيننا وبين الزملاء الكرام حيث أصبحت ثانوية المعيصرة بعدها ثانوية القاضي الدكتور يوسف محمد عمرو محجّة لمن ينشد نحو العلى تنشر عطر النجاح في كل ناح ثُمّ أحسست بالإطمئنان والإستقرار الذاتي والرضى عن مسيرتي التعليميّة عندما بدأت أرى اللافتات المهنئة ترفرف فوق المدرسة وكتب التهنئة بالنجاح الباهر تنهال عليها...

وفي ذكرى تأسيس المدرسة وفي الإحتفال التكريمي في 20/10/2013م. قدَّم لي المحتفلون من جمعية آل عمرو وبلدية المعيصرة درعاً تكريميّة كما قدموا لصديقي وزميلي الأستاذ الياس كامل درعاً تكريمية ولمدير الثانوية الدكتور حسن حيدر أحمد منذ 20/10/2003م. درعاً تكريمياً أخرى لدوره وعطاءاته...

والثانوية الآن إنتقلت إلى أيدٍ أمينة وفكر ثاقب ورعاية واعية مع المدير الأستاذ حميد حيدر...

وأختم بكلمة قالها فيَّ الدكتور حسن حيدر:« أمّا منيف الشوّاني فهو رفيق العمر كل كلامه يغطّ عليه النحل.. إنّه رجل من حديد .. يحطّ في جيبه مردكوش الليل وعطر الزمان »..

واليوم وبعد خمس وأربعين سنة من الوظيفة والعطاء وبعد ثلاثين سنة في المعيصرة قضيتها في جمع زيتون المعرفة من بلدة زيتون وعصرها في أفكار طلاب المعيصرة فقدّمت للحياة ما ينفع الإنسان على قاعدة الآية الكريمة: } فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَال {سورة الرعد، الآية 17.

 

 

الهوامش:

(1) منيف موسى الشوّاني، مواليد 1950م. المعيصرة ـ كسروان، سجل 27 المعيصرة.

مجاز وكفاءة في مادة التاريخ من كلية التربيّة ـ الجامعة اللبنانيّة.

بدأت عملي الوظيفي في التعليم في مدرسة خاصة بمنطقة برج حمود من سنة 1970 حتى 1972م. ثم عينت مدّرساً بالتعاقد مع وزارة التربية سنة 1973 في مدرسة المعيصرة الرسميّة، وفي العام 1974 تم تعييني بالملاك من قبل مجلس الخدمة المدنية في نفس المدرسة. وتابعت عملي حتى عام 1978م. حيث نقلت إلى مدرسة زيتون الرسميّة وكلّفت بإدارتها حتى عام 1990م. حيث نقلت إلى مدرسة الكفور الرسميّة لمدة عام دراسي واحد. ثم صدر قرار نقلي إلى مدرسة المعيصرة الرسميّة وتابعت عملي في المعيصرة حتى نهاية خدمتي في 30/9/2014م. حيث احلت على التقاعد بصفة أستاذ تعليم ثانوي.

وبالإضافة إلى عملي بالملاك درّست في ثانوية غوسطا الرسميّة مادة التاريخ كمتعاقد من عام 1989 حتى 1995م.

 

وأن مجموع السنوات التي قضيتها في التعليم والإدارة بلغت خمس وأربعين سنة، 42 سنة بالرسمي ـ 3 سنوات بالخاص وفي المعيصرة وحدها ثلاثون سنة (تعليم وادارة).