جعفر بن أبي طالب(رض) أبو الكرم

20/04/2015
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

وأول السفراء والقادة في الإسلام(1)

بقلم: المفتي الدكتور الشيخ سليم اللبابيدي (2)

شهر شباط من كل عام نتذكر فيه القادة الشهداء، الّذين قدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الله، وهم: العلاّمة السيّد عباس الموسويّ والشيخ راغب حرب والقائد رضوان (عماد مغنية)، وحين أذكر الثلاثة لا بُدَّ وأن أعود في ذاكرتي إلى القادة الثلاثة الّذين قادوا المسلمين واستشهدوا في غزوة مؤتة وقائد الثلاثة الإمام سيّدنا جعفر بن أبي طالب (رض)، الذي كان قدوة أولاً بالحراك السياسيّ، فهو أول سفير ومدافع عن الدين حينما كان قائد أول هجرة إلى الحبشة، وهو أبو الكرم فلم يعرف أكرم منه وولده عبدالله، وكانا مضرب الأمثال في الكرم والجود، ولكثرة خصاله الطيبة لم نعد نتذكر بأي من هذه الخصال لذكره، نذكره بالحوار الدبلوماسي مع الملوك، أم بالكرم أم ببذل النفس رخيصة في سبيل الله، وغيرها من صفات آل البيتi، التي لم يتخلّ عن واحد منها.

وكان فيمن هاجر إلى الحبشة سيّدنا عثمان وزوجته رقيّة بنت النبيّw، والزبير بن العوام وعشرة من كبار الصحابة، وكانت مع سيّدنا جعفر بن أبي طالب زوجته أسماء بنت عميس وقد ولدت له في الحبشة ولده عبدالله بن جعفر(رض) وقد شقَّ على قريش أن المسلمين قد ذهبوا إلى الحبشة وأمنوا منهم، فأرسلوا عبدالله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص إلى ملك الحبشة ومعهما هدايا له ولجميع البطارقة عنده.(3)

وقالا لكل بطريرق منهم: «أنه قد ضوى (اي التجأ) إلى بلد الملك منا غُلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع. لا نعرفه نحن ولا أنتم وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردوهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم «فإن قومهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم» فقالوا لهما: نعم».

ثُمّ إنهما قدما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما ثُمّ كلمّاه فقالا لهايّها الملك إنّه قد ضوى إلى بلدك منا غُلمانٌ سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين جديد ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم، فإنّهم أعلى بهم عيناً فإنّهم لن يدخلوا في دينك فتمنعهم لذلك!».

ولم يكن شيء أبغض إلى عبدالله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي. فقالت بطارقته حولهصدقاً أيها الملك قومهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم لهما، فليرداهم إلى بلدهم وقومهم».

فغضب النجاشي، ثُمّ قاللاها الله إذن لا أُسلمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فاسألهم عما يقول هذان في أمرهم فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم. وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني».

ثُمّ أرسل إلى أصحاب رسول الله w، فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثُمّ قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما عُلِّمنا، وما أمرنا به نبينا w، كائناً في ذلك ما هو كائن.

روي عن أم جعفر بنت مُحمّد بن جعفر بن أبي طالب عن جدتها أسماء بنت عميس(زوجة جعفر) أنّها قالت: لما أُصيب جعفر وأصحابه دخل عليَّ رسول الله w، وقد دبغت أربعين منا، وعجنت عجيني، وغسلت بنيِّ ودهنتهم ونظفتهم، فقال لي رسول الله w،ائتني ببني جعفر» فأتيته بهم، فتشممهم وذرفت عيناه، فقلتيا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما يبكيك ؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: «نعم، أصيبوا هذا اليوم، فقمت أصيح، واجتمعت إليَّ النساء، وخرج رسول الله w، إلى أهله، فقاللا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاماً، فإنّهم قد شغلوا بأمر صاحبهم».

ويروى أنه لما أُصيب جعفر، أرسل الرسول إلى امرأته أن ابعثي إليَّ بني جعفر، فأتى بهم، فقال الرسول w:« اللّهم إنّ جعفراً قد قدَّم إليك إلى أحسن الثواب، فأخلفه في ذريته بخير ما خلفت عبداُ من عبادك الصالحين».

وعن عائشة أنها قالتلما أتى خبر وفاة جعفر عرفنا في وجه الرسول w الحزن». وروى أن الرسول لما أتاه نعي جعفر، دخل على امرأته أسماء بنت عميس، فعزاها فيه، ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول«واعماه»، فقال الرسول:على مثل جعفر فلتبكِ البواكي، ودخله من ذلك همٌ شديد، حتى أتاه جبريل، فأخبره أن الله قد جعل لجعفر جناحين مُضرَّجين بالدم يطير بهما مع الملائكة.

 

الهوامش:

(1) أخرج الحافظ ابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية، ج2، عدّة روايات عن الصحابة المهاجرين إلى الحبشة منهافأرسل إليهم النجاشي فجمعهم ولم يكن شيء ابغض لعمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة من أن يسمع كلامهم. فلما جاءهم رسول النجاشي إجتمع القوم فقالوا ماذا تقولون؟ فقالوا وماذا نقول، نقول والله ما نعرف. وما نحن عليه من أمر ديننا، وما جاء به نبيناw، كائن من ذلك ما كان، فلما دخلوا عليه كان الذي يكلّمه منهم جعفر بن أبي طالب(رض ). فقال له النجاشي: ما هذا الدين الّذي أنتم عليه؟ فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية، ولا نصرانية؟

فقال له جعفر: أيها الملك كنا قوماً على الشرك نعبد الأوثان ونأكل الميتة ونسيء الجوار، يستحل المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها، لا نحل شيئاً ولا نحرمه. فبعث الله إلينا نبياً من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له ونصل الأرحام ونحمي الجوار ونصلي لله عزّ وجل، ونصوم له، ولا نعبد غيره», إلى أن قال له النجاشيهل معك شيء مما جاء به عن الله». [ وقد دعا أساقفته فنشروا المصاحف حوله] فقال له جعفر: نعم، قال هلم فأتل عليَّ مما جاء به، فقرأ عليه صدراً من «كهيعص» فبكى والله النجاشي حتى أخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم. ثُمّ قال لهم: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى، إنطلقوا راشدين لا والله لا أردهم عليكم ولا أنعمكم عينا» ص 93 ـ 94.(دار إحياء التراث العربي ـ مؤسسة التاريخ العربيّ ـ بيروت ـ الطبعة الأولى، سنة 1413هـ. 1993م.

وأخرج الحافظ ابن كثير الدمشقي أيضاً رثاء حسّان بن ثابت له بعد شهادته في غزوة مؤتة:

ولقدْ بَكَيتُ وعزّ مهَّلك جعفرِ

حِبِّ النبي على البرية كلّها

ولقد جزِعتُ وقلتُ حين نُعيت لي

من للجِلاد لذى العقاب وظلها(1)

بالبيض حين تُسَلُّ من أغمادها

ضرباً وإنهالِ الرماح وعَلِّها

بعد ابن فاطمة المبارك جعفر

خير البريّة كلّها وأجلها(2)

رُزءاً وأكرمهم جميعاً مَحْتِداً

وأعزّها متظلِّماً وأذلها

للحقِّ حين ينوبُ غيرَ تنحُّلٍ

كذباً وانداها يداً وأقلّها

فُحشاً وأكثرها إذا ما يُجتدى

فضلاً وأنداها يداً وأبلّها(3)

بالعًرف غيرَ محمدٍ لأمثله

حيٌّ من أحياءِ البرية كلِّها(4)

1)      العقاب: اسم راية رسول اللهw.

2)      فاطمة: هي فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي أم جعفر وعلي ابنا أبي طالب.

3)      وعجزه في الديوان: فضلاً، وأبذلها ندى، وأبلّها.

4)      البيت في ديوان حسان:

على خير بعد محمد لاشبهه

بشرٌ يُعدُّ من البرية جُلِّها

(عن نفس المصدر الآنف الذكر)، ج4، ص 293.                 

(2) مفتي فلسطين في لبنان والشتّات، عضو مؤسس في تجمع العلماء المسلمين في لبنان. فوجئت جماهير المقاومة الفلسطينية بوفاته q يوم الإثنين قي 31 أذار 2015م. حيث شُيع وصلي عليه في جامع الخاشقجي ـ بيروت. فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.

 

(3) البطريرك (ج بطاركة أو بطارقة) كلمة يونانية مكونة من شطرين، ترجمتها الحرفية «الأب الرئيس»؛ ومن حيث المعنى فهي تشير إلى من يمارس السلطة بوصفه الأب، على امتداد الأسرة، ولذلك فإن النظام المعتمد على سلطة الأب، يدعى «النظام البطريركي«. أما في المسيحية، فتتخذ الكلمة معنى رئيس الأساقفة في الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية؛ ويدعى مكتب البطريرك البطريركية. أما المؤرخون العرب فقد اصطلحوا على الكلمة لفظ «بطريق».