السلطان وقضيب الرمان

25/3/2019
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

اختيار الحاجة سلوى أحمد عمرو

(السلطان محمد الفاتح هو السلطان محمد الثاني، ابن السلطان مراد الثاني، وهو سابع سلاطين الدولة العثمانيّة، ولد في مدينة أدرنة، بتاريخ 1429م، وتوفي عن عُمر 52 عاماً، بتاريخ 1481م. ودفن في مسجد الفاتح في اسطنبول. وهو الذي تمكن من القضاء نهائياً، على الدولة البيزنطيّة العظمى، التي استمرّ حكمها أكثر من أحد عشر قرناً )...

وقد انتشرت حوله حكايات وأخبار كثيرة أهمها تشبيهه من قبل بعض المؤرخين بالإسكندر المقدوني، وقد تكلّم عنه المحامي الدكتور منيف حمدان في صحيفة «الديار» الصادرة في بيروت، العدد 10609 يوم الخميس الواقع فيه 15/11/2018م. في الصفحة الأولى والخامسة تحت عنوان:« القاضي صاري خضر جلبي يحكم بقطع اليد اليمنى للسلطان محمد الفاتح في دعوى المهندس المسيحيّ البيزنطيّ أبسلانتي».

أثناء توليه الحكم في أماسيا، أرسل له والده السلطان مراد الثاني عدداً من المعلمين، ليعلّموه القرآن الكريم واللغات الواجب إتقانها، إلى جانب اللغة التركيّة، فلم يمتثل لأمر والده، ورفض أن يقرأ شيئاً، حتى إنّه لم يختم القرآن الكريم، رغم أنّ هذا الأمر كان يُعَدُّ من المهمات العُظمى، التي كان على كل سلطان أن يتّقنها.

ـ صُدم والده بهذه الأخبار، لكنه لم ييأس، إنَّما طلب من معاونيه، أن يبحثوا له، في أرجاء السلطنة، عن مُعلم مُهيب، في منظره وتصرفاته، في أرجاء السلطنة، فبحثوا ووجدوا الشخص المطلوب، فإذا به الشيخ أحمد بن إسماعيل الكورانيّ...

ـ ولَما قابله، طلب إليه السلطان، أن يكون مُعلّماً لولده، وسلّمه قضيب رمَان، ليضربه به إذا خالف أمره... فذهب المعلم إلى السلطان الشاب، حاملاً قضيب الرمان بيده، وخاطبه قائلاً: لقد أرسلنيّ والدك لأقوم بتعليمك، وضَربك بهذا القضيب، إذا خالفت أوامري...

لم يحمل الفتى محمد الثاني كلام الشيخ الوقور، على محمل الجد، إنّما ضحك واستهزأ، وقال له: من يجرؤ على التفكير بضرب الحاكم، ابن السلطان، وحفيد أعظم سلاطين العالم؟! فضربه الشيخ بقضيب الرمان ضرباً شديداً، ولم يكفَّ عن ضربه، إلاّ بعد أن تأكد من أنّ الشاب، صاحب السيادة، قد خاف منه فعلاً، وأصبح قابلاً للتقيد بالأوامر والنواهي، مُعظّماً لها، ومدافعاً عن إجراءات تطبيقها، وتأثر تأثراً كبيراً بعلماء عصره وبمعلمه العالم أحمد بن إسماعيل الكوراني.

ـ إن تأثره بمعلمه، سهّل السبل أمامه ليتقن عدّة لغات، إلى جانب لغته التركيّة، ومنها: اللاتينيّة والفرنسيّة واليونانيّة والفارسيّة والعربيّة والعبريّة والصربيّة.

ـ وتأثر السلطان العتيد أيضاً، بما كان يُحدّثه، أحد أعلام تلك الفترة، الشيخ آق شمس الدين، الذي حرص على صقل شخصيته، ليكون مميزاً بين أقرانه، وأقنعه بأنه هو المقصود بالحديث الشريف، الذي أثبتناه حول فتح القسطنطينيّة... فأعجبته الفكرة، ووضع نصب عينيه هدفاً واحداً، ليثبت فيه أنّه هو المقصود بهذا الحديث الشريف.

ثالثاً: سعادة الحاكم محمد الثاني يعتلي العرش بتنازل والده له... ومن ثُمّ يتنازل هو عن هذا العرش، ويأمر بقبول التنازل لأسباب قوميّة عليا.

بتاريخ 13 تموز 1444م، أبرم السلطان مراد الثاني معاهدة سلام، مع إمارة قرمان في الأناضول... وشاء القدر أن يتوفى، بعد ذلك أكبر أولاد السلطان العثمانيّ هذا، فحزن عليه حزناً كبيراً، وأُصيب باكتئاب حاد... حتى أنّه سئم الحياة... وسئم الحكم، فتنازل عن الملك لابنه محمد الثاني، رغم أنّ عمره كان في حدود الرابعة عشرة، وسافر إلى ولاية ايدين، للإقامة فيها، بعيداً عن هموم الحكم والرعيّة، وكل متطلبات السلطنة..؟

ـ إستغلّ ملك المجر ما جرى من أحداث في السلطنة، وقرر الهجوم على بلاد البلغار، غير مبالٍ ببنود الهدنة، التي سبق له وأبرمها مع السلطان مراد الثاني، مُعتمّداً في ذلك، على تقرير أحد المستشارين المميزين، وإصراره على القول: إنّ عدم رعاية الذمة والعهود مع العثمانيين الفاتحين لا يُعدُّ حنثاً ولا نقضاً.

وقبل أن يبدأ الهجوم، كان السلطان محمد الثاني، قد عَلِمَ من مخابراته في المجر، أن الحاكم يُجري الإستعدادت للحرب ضده، فكتب إلى والده يخبره بالأمر، ويطلب إليه الرجوع على جناح السرعة. ليستلم الحكم مكانه... فرفض والده هذا التمني، وأصرَّ على اعتزاله الحكم... فرد عليه ابنه وقال:

«إذا كنتَ السلطان فتعالَ وقِفْ على قيادة جيشك، ورئاسة دولتك، وإن كنتَ أنا السلطان، فإنّي آمرك بقيادة الجيش».

وبفعل هذه الرسالة المعبّرة والبليغة، عاد السلطان مراد الثاني، وقاد الجيش العثمانيّ في معركة فارنا، وتمكن من تحقيق نصر حاسم، على الجيش المعادي، وكان ذلك في العاشر من تشرين الثاني 1444م.

والذي يعنينا في هذه القصة هو دور قضيب الرمان في تربية وتهذيب وتنشئة هذا السلطان الذي قلب موازين القوى في أوروبا وبلادنا العربيّة بافتتاحه للقسطنطينيّة سنة 1453م. لمصلحة المسلمين بعد سقوط بغداد في أيدي المغول سنة 656هـ. الموافق لسنة 1258م.

وحتى نستفيد من هذه القضيّة والقصة التاريخيّة أنّ أبناء الملوك والأمراء والرؤساء والوزراء والقادة العرب في أيامنا هذه، هم أحوج ما يحتاجون إليه هو قضيب الرمان في تهذيبهم وتعليمهم تماماً كما حدث مع السلطان محمد الثاني عندما كان مراهقاً صغيراً يكره القراءة والأدب والتعلم!!...

 

قال أمير المؤمنين

الإمام عليّ t:

«الْكَلَامُ فِي وَثَاقِكَ مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِه فَإِذَا تَكَلَّمْتَ بِه صِرْتَ فِي وَثَاقِه، فَاخْزُنْ لِسَانَكَ كَمَا تَخْزُنُ ذَهَبَكَ ووَرِقَكَ، فَرُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً، وجَلَبَتْ نِقْمَةً».

وقال t: لاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ، بَلْ لاَ تَقُلْ كًلَّ مَا تَعْلَمُ، فَإِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَى جَوَارِحِكَ كُلِّهَا فَرَائِضَ يَحْتَجُّ بِهَا عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.(1)

وقالt: يَا بْنَ آدَمُ الرِّزْقُ رِزْقَانِ: رِزْقٌ تَطْلُبُهُ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ، فَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ، فَلاَ تَحْمِلْ هَمَّ سَنَتِكَ عَلَى هَمِّ يَوْمِكَ، كَفَاكَ كُلُّ يَوْمٍ مَا فيِهِ، فَإِنْ تَكُنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ، فَإنَّ اللهَ تَعَالَى سَيُؤْتِيكَ فِي كُلِّ غَدِ جَدِيدٍ مَا قَسَمَ لَكَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ، فَمَا تَصْنَعُ بِالْهَمِّ فيِمَا لَيْسَ لَكَ؟ وَلَنْ يَسْبِقَكَ إِلَى رِزْقِكَ طَالِبٌ، وَلَنْ يَغْلِبَكَ عَلَيْهِ غَالِبٌ، وَلَنْ يُبْطِىءَ عَنْكَ مَا قَدْ قُدِّرَ لَكَ. (2)

الهوامش:

(1) «نهج البلاغة» جمع الشريف الرضي، شرح الإمام الشيخ محمد عبده، ج4، ص 582. الكلمة رقم 380 ـ 381، قال الإمام محمد عبده في شرح الكلمة الأولى: الوثاق ـ كسحاب: ما يشدُّ به ويربط، أي أنت مالك لكلامك قبل أن يصدر عنك، فإذا تكلمت به صرت مملوكاً له، فإمّا نفعك أو ضرّك، وخَزَنَ ـ كنصر ـ: حفظ ومنع الغير من الوصول إلى مخزونه. والوَرِق ـ بفتح فكسر ـ: الفضة .

(2) المصدر نفسه، الكلمة رقم 379.