قصة قصيرة - ميرا العزيزة

25/3/2019
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

بقلم المربية أماريا برادعي سليم

ولدت ميرا بعد عذاب طويل... فرح بها الجميع... فتاة في غاية الجمال...

كبرت وتلقت اهتمام وعناية من حولها، وكان جمالها يزداد يوماً بعد يوم، ووالداها حبهما لها يتضاعف أضعافاً كلما نظرا إليها، ولكن لون ميرا الأصفر كان يظهر عليها أكثر فأكثر كلما زاد في عمرها.

قرّر والداها أخذها الى الطبيب للاطمئنان على صحتها، وبعد عدّة أيام، ذهب والدها لإحضار الفحوصات، وعند عودته إلى المنزل رأته زوجته وعيناه دامعتان ووجهه أحمرّ من البكاء، ولكنها أسرعت بالسؤال عن صحة ابنتها وبدأت تهزه يميناً ويساراً قائلةً له:

ـ«هل أحضرت الفحوصات؟ هل كل شيء على ما يرام» ؟

ـ«هل ابنتي بخير؟ أرجوك تكلّم... لِمَ أنت صامت » ؟

ـ أجهش بالبكاء والصراخ، كلا... إنها ليست بخير...

ـ لم أفهم ما تقول... بالله عليك أوضح كلامك، ما بها ابنتي؟

ـ إنها تُعاني من مرض خبيث في رأسها... ويلزمها عملية ضرورية لاستئصال الورم منه.

ـ ماذا؟!!! كيف ذلك ؟!!! ماذا حصل لها ؟!!!

ـ أرجوك اصمتي قليلاً ودعيني أفكر من أين لي المال لأقوم بتسديد المطلوب للأطباء ولغيرهم...؟.

ـ لا أعرف، فجُلّ ما أعرفه هو ابنتي، أريدها معي وبخير.

وبدأت الأم تصرخ وتبكي وتتوسل إلى الله تعالى طالبة من زوجها الإهتمام بجمع المال، وتضمُّ ابنتها إليها وتقبلها طوال الليل.

في الصباح الباكر، استيقظ الوالد وغادر المنزل قبل طلوع الشمس سعيّاً وراء تأمين المال الكافي لإجراء العملية المطلوبة.

ومن مكان إلى آخر ومن أخ إلى صديق إلى قريب لم يستطع تأمين المبلغ.

زادت عوارض المرض على وجه ابنته وتعبت زوجته من كثرة البكاء وظلت العائلة على حالها لعدّة أيام إلى أن قرّر الذهاب إلى منزل فخم مجاور لمنزله والدخول خلسة إليه لإحضار المال، وخصوصاً بعد أن سمع من أحد السكان بأن هذا المنزل فارغ في معظم الأوقات.

بعد عدّة ساعات ذهب الوالد مع ابنته وزوجته إلى المشفى وجهز كل ما يلزم للعملية وسار كل شيء مثلما توقع، وأنهت ميرا العملية بنجاح لمدّة أربعة وعشرين ساعة كما قال الطبيب وستتمُّ مراقبتها في هذا الوقت.

في اليوم التالي، استيقظت ميرا وهي تحاول النهوض ولكن قدميها لم تساعداها على النهوض فأسرعت الوالدة لمساعدتها إلى أن جاء الوالد يخبرها بأن ميرا لن تمشي بعد الآن، كما قال الطبيب، والمهم بأن المرض قد زال من جسدها وهي أمامنا ومعنا.

عاد الجميع إلى المنزل بعد عدّة أيام والحزن رفيقهم، غير أنّ حزن الوالد كان يفوق حزن زوجته أضعافاً، لأن الله جازاه على سرقته للمال!.

في أول الشهر، وعند عودة الوالد من عمله، مرَّ على المنزل الذي سرق منه المال وكان قد جهز مبلغاً بسيطاً منه مع ورقة كُتب فيها: «أرجو المسامحة على فعلتي ولكنني اضطررت لأن ابنتي أُصيبت بمرض خطير وكان عليّ إجراء العملية لإنقاذها، سامحوني وسأظلُّ أتردد في بداية كل شهر لإعادة مبلغ بسيط من المال».

ومرت الأيام والشهور وكان في كل مرّة يضع عبارة يشكر فيها أصحاب المنزل، ولكنه في كل مرة ينتابه الخوف والذعر خشية إبلاغهم للشرطة وأذيته، ولكن هذا الشهر كان مُختلفاً إذ أنه وجد إمرأة في الستين من عمرها، واقفة في الخارج وكأنها تنتظره وتريد التحدّث إليه، فوقف برهة لا يعلم ماذا سيفعل، وإذ بها تقترب مبتسمة وتقول: «وأخيراً التقيت بك بعد زمن طويل».

- نعم أنا هو، أنا ذلك الرجل الذي سرق منزلك، وعشت أيامي وسنيني خائفاً مذعوراً من أن يلاحقني رجال الشرطة ولكنني لغاية هذا اليوم لا أعرف لماذا لم تشتك على السارق.

- انتظرت طويلاً وكلما أحاول أن أخبر الشرطة كان شيئاً ما يختلج في قلبي وكأن حدثاً ما سيبين كل شيء وهدأت عندما وجدت ورقتك على باب المنزل فخجلت نفسي من الإبلاغ عنك.

- لا أعرف كيف أشكرك وكيف أردُّ لك جميلاً أكبر من طاقتي؟

- جُلّ ما أطلبه في حياتي هو ولدٌ يملي عليّ حياتي بعدما رحل زوجي وبقيت وحيدة وأعدّ أيامي ولا أعلم متى أغادر الحياة .

أتمنى أن أتعرف إلى ابنتك التي خاطرت بكل ما تملك لأجلها.

- ابنتي؟

ابنتي التي فقدت قواها على الحركة وأصبحت مُقعدة لا تتحرك وتحلم كما يحلم الكثيرون بنعمة المشي والركض.

- عرّفني عليها أرجوك ولا تخف لن أؤذيكم أبداً، كل الذي أطلبه هو البقاء في ما تبقّى لي بجانب عائلة تنسيني ما مررت به من هموم الحياة وأحزانها.

ذهب الإثنان معاً إلى المنزل وعرّفها على زوجته وابنته المُقعدة، ويا له من مشهد مؤثر عندما ركضت تلك المرأة نحو الفتاة تضمها وتبكي وتقول لا تخافي سأنسيك كل همومك، سأفعل المستحيل لأجعلك تمشي.

نظرت الزوجة إلى زوجها مذهولة مما تسمع وتحاول تصديق أُذنيها إلى أن اقتربت منها المرأة لتكرار ما قالته بحزم وجديّة وتؤكد محبتها لهم، طالبة منهم ترك منزلهم والذهاب للعيش معها في منزلها بعدما عرضت على الرجل استلام مصنعها لأنها لن تجد أحداً بمصداقيّته وعلى الأم مساعدتها في أعمال مشغل الخياطة التي باتت تجد فيه صعوبة العمل.

فرصة لن يجدوا مثلها، ولم يفكروا مطوّلاً وكذلك بأنّهم سيعملون ويكدّون ولن يكونوا عالة عليها في حال ساعدوها وقدموا لها كل ما تحتاجه.

بعد عدّة أشهر عاد المصنع إلى أوج تألقه والمشغل إلى ريعان نجاحه والفتاة تتلقى العلاج المناسب من مشفى المدينة والتي تسهر على راحتها تلك المرأة بعد أن وهبت كل ما تملك لها وسجلت كل شيء باسمها.

لم يتذمر الوالدان يوماً حيث كانا يعملان بجدٍ ونشاط وصدق وإخلاص دون معرفتهما بما عملته المرأة بأملاكها.

بعد عدّة أشهر قرر الطبيب إجراء العملية للطفلة في فرنسا وكانت تفاصيل العلاج في الخارج على المرأة الكبيرة ذات القلب الحنون وسافرت مع الطفلة لأن الوالدين لا يستطيعان ترك العمل.

كانت الطفلة تحادث والديها كل يوم في المساء تطمئنهما عن صحتها وكيف أن المرأة لا تتركها ولا تنام مُطلقاً.

أُجريت العملية بنجاح وعادتا معاً بعد شهر وكم كانت فرحة الوالدين عظيمة عندما ركضت الإبنة نحو والديها تضمهما، لم يصدقا ما شاهدا ولكن المرأة اقتربت تربت على كتفي الأم وتقول الآن حققت لكما الحلم وعادت ابنتكما معافاة تمشي وتركض، ولكن انتبها عليها لأنها هي الأمل في حياتي، البريق لأيامي المعدودة، والبسمة والفرح.

ضمت الوالدة تلك المرأة التي لا مثيل لها وشكرتها على كل شيء مع أن الشكر لا يكفي ولا يفيها حقها لأنها أعظم إمرأة عرفتها بحياتها!.

عند وصولهم إلى المنزل أخبرت المرأة الوالدين بأن كل ما تملك قد أصبح بإسم ميرا ولا أحد غيرها.

سكت الوالدان ولم يعرفا ماذا يقولان، وضما الفتاة إليهما وشكرا الله على تلك النعمة التي لم يعرفها أحد من القرويين في بلدتهم من قبلُ.