من ضوابط الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر

20/04/2015
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

(بقلم: د.يسري عبد الغني عبدالله (1

نعرف أن من أحكام الله جل شأنه ما يتلقاه المسلمون. بما فيهم المجتهدون. بالقبول والتسليم، وفيها ما يجب فيه إعمال العقل والاجتهاد، ولكن هذا الاجتهاد ليس وظيفة الجميع أو فرض عين على كل الناس، بل هو مهمة الفقيه المجتهد، أو العالم بالفقه الذي يمتلك القدرة على الموازنة بين الأحكام الاجتهادية وأدلتها، ليختار من بين أقوال أهل الاجتهاد أقواها دليلاً، وأوفاها بمصالح الأمة ومنافعها.

 

ونرى أن أهم ما ينبغي الاتفاق عليه في ظروفنا الراهنة، وقد أصبحنا نعاني من الجمود الفكري في جانب، والتسيب أو الفوضى الاجتهادية في جانب آخر، هو الاتفاق على ضوابط التجديد والاجتهاد في الفكر الذي يمكن أن نصفه ونحن على اطمئنان تام بأنه فكر إسلامي معاصر.

الضابط الأول:

الاتفاق على المرجعية الإسلامية:

أول هذه الضوابط التي نراها هو: الاتفاق على المرجعية الإسلامية، وأساس المشروعية التي يتم في إطارها كل اجتهاد أو تجديد، وهي مرجعية الوحي المباشر في كتاب الله المجيد، أو غير المباشر في الثابت من سُنّة الرسول المعظّم محمدw، ويلحق بذلك ما أجمع أهل الاجتهاد عليه من أمثلة الرسول(صلى الله عليه وسلم)، فلا يمكننا أن نصف رأياً. مهما كان صاحبه. يبيح نكاح المحرمات، أو يسوي في الميراث بين البنات والبنين، أو يتناقض مع نصوص قطعية الورود والدلالة، أو يخرج تماماً عما أجمع عليه علماء الأمة، بأنه اجتهاد شرعي وتجديد إسلامي، وإلا قطعنا الصلة بين ماضي الأمة وحاضرها، واسبغنا وصف الإسلامية على ما يخالف أصول الإسلام نفسه.

الضابط الثاني :

الالتزام بقواعد اللغة العربية:

ونقصد بذلك الالتزام الكامل بقواعد اللغة العربية في تفسيرنا للنصوص الدينية وتأويلها، فإن كتاب الله الحكيم عربي مبين، كما يقول المولى جل وعلا:( وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) سورة الشعراء، الآية: 192 ـ 195، والسنة النبوية المطهرة جاءت كلها بهذا اللسان.

وعليه فإن ألزم الضوابط التي تفرض نفسها على أي محاولة للتجديد أو التأويل لهذه النصوص اتباع أساليب العرب في الخطاب، وكذلك اتباع مناهجها في التعبير والتصوير والدلالة على المعاني، أمراً ونهياً، إثباتاً ونفياً، تخصيصاً وتعميماً، وصلاً وفصلاً، حقيقة ومجازاً، مع تفقه في أسرار ذلك كله، وأساليبه المتنوعة في كتاب الله العظيم، وسنة رسوله الكريمw.

نفعل ذلك ونلتزم به حتى لا تزل القدم، أو يميل بنا الهوى في

 

 

من يميل، أو يتحكم فينا الشطط وعدم الروية عن جهل أو سوء طوية، وقد روى ابن عبد البر في كتابه: (جامع بيان العلم وفضله) ما يدل على خطر التأويل لكلام النبي محمد wالذي هو وحي يوحى، حيث يقوليحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف المغالين، وتأويل المبطلين، وانتحال الجاهلين»

الضابط الثالث:

الاحتكام إلى القواعد الشرعية:

ونعني بهذا الضابط: الاحتكام إلى القواعد الشرعية الأصولية المستنبطة على سبيل الاستقراء من الشريعة الإسلامية على النحو الذي يسميه الإمام / الشاطبي (التواتر شبه المعنوي)، أو الواردة بنصها من لفظ الشارع كقاعدة المقاصد الشرعية الضرورية في حماية: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، وكذلك قاعدة رفع الضرر، وقاعدة الضرورة، وقاعدة الغنم بالغرم، ونحو ذلك مما استخلصه علماء الأصول من استقراء أحكام الشريعة ونصوصها.

فلا يصح لمجتهد أن يغفل بأي حال من الأحوال تلك القواعد الأصولية، ويفسر النصوص ويجتهد في النوازل والمستجدات بما يناقضها، لأنه بذلك يخرج على الأحكام الشرعية نصاً أو روحاً، وربما انتهى به الأمر إلى التأويل الباطل أو التحريف المغالي، أو أن يلصق بالدين ما ليس فيه وهو الانتحال، وتلك الأمور الثلاثة حذر منها الرسول محمد(صلى الله عليه وسلم)، وجعل مقاومتها واجب العلماء في كل جيل.

الضابط الرابع:

عدم الاعتماد على نص شرعي واحد:

لا يعقل أن يتعرض المرء للحكم على بعض الأمور أو الفتوى فيها اعتماداً على نص شرعي واحد يتعلق بها مع إغفال سائر النصوص المتعلقة بها أيضاً.

وقد رأينا بعض المعاصرين بسبب نقص العلم والمعرفة والدراية لديه، بالإضافة إلى دخوله في ما لا يحسن، نجدهم يقومون بالفتوى المخالفة في أمور أجمع عليها الفقهاء الثقات، كحرمة القيام لأهل الفضل والعلم، قائلين لنا: صافحهم وأنت جالس!!، ويبررون كلامهم بحديث سمعوه يتصل بذلك، دون أن يلموا إلماماً علمياً جاداً بالأحاديث الأخرى التي أباحت احترام أهل العلم والفضل، والقيام لهم تبجيلاً وتقديراً.

ويزداد الأمر خطورة عندما يتعلق بدماء المسلمين، ودينهم، وأمنهم، ومالهم، وعرضهم، فيقع بعض الناس من أدعياء العلم والدعوة في تكفير أهل العلم والفضل، والسابقين إلى الإسلام من أصحاب الرسولw، فيبيحون (والعياذ بالله) محاربتهم، وسبهم، والاعتداء عليهم، وذلك أكبر دليل على سوء فهمهم للإسلام، وقد فاتهم أن رسول الله w قال في الحديث الصحيح المتفق عليهسباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر».

كما غفلوا عن قوله عز وجل:(وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) سورة الحجرات، الآية: 7 ــ 8.

وصدق الله تعالى إذ يقول أيضاً:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) سورة الحجرات، آية 6

وقد ذكر أئمة التفسير أن هذا الأمر كان من وراء الكثير من التأويلات الخاطئة.

ومن المسلم به أن المرء لا يستطيع أن يصل إلى الفهم الصحيح، والإدراك السليم، والتفسير الصائب لنص مقتطع من نسق فكري كامل دون مراعاة المجموع أو تبين وإظهار الدلالة المستفادة من نص مروي.ـ بشرياً كان أو إلهياً. دون بحث، وبالذات عندما ترتبط به نصوص أخرى تفيد إطلاقه، أو تخصيص عمومه، أو تزيل ما يعتوره من إخفاء أو إشكال.. إلى آخر ما هو مقرر ومعروف لدى أهل الشأن، وعلى كل من يتصدى للحديث في قضايا الإسلام أن يعلمه ويدرسه جيداً حتى تأتي أحكامه سليمة ومقبولة ومفيدة للجمهور.

الضابط الخامس:

التوفر على فهم الواقع:

وآخر ما نورده من هذه الضوابط المقترحة التوفر على فهم المشكلات الواقعية المعاشة، والنوازل المتجددة التي يواجهها المسلمون في بلادهم المختلفة، وظروفهم المتفاوتة في حياتهم المعاصرة، فإن الحكم على الشيء. كما علمنا شيوخنا الأجلاء. فرع عن تصوره، وكيف يحكم المرء على ما يجهل؟!، أو ما لا يلم إلماماً جيداً بحقيقته وظروفه؟!.

 

الهوامش:

(1) باحث وخبير في التراث الثقافي، من جمهورية مصر العربيّة.